محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٥ - الخطبة الأولى
ويُعدّهم فيها أحسن إعداد لحياة السعادة والخلود الكريم. وقد بيّن عزّ وجل لهم هذا الصراط، ووضعه بين أيديهم، ودعاهم للأخذ به، والسير على
هداه في كل خطوة وحركة وسكون.
وتبقى السبل الأخرى بمختلف عناوينها وشعاراتها وواجهاتها غير موصلة ولا منجية. والتخلي عن صراط الله الذي منَّ على عباده ببيانه لازمهُ أن تتفرَّق بهم السبل الضالّة منحدرين وإياها عن ذلك الصراط الصاعد الباني المزكّي فيتيهوا، وينصَبوُا، ويشقَوا، ويتَّصل شقاؤهم في الآخرة بشقائهم في الدنيا.
فليست من حياة سعيدة بحق- لا في دنيا ولا في آخرة- في ظل منهج غير منهج الله سبحانه. وصراطُ الله في صورته الناظرة لتطورات الزمن كلّه، وحركة المستقبل في امتدادها المساوق لبقاء الحياة هو الذي جاء به خاتم رسله، وبيّنه كتابُه الكريم بمنهجه القويم، وأطروحته التامة، وأسُسه الرصينة، وتوجيهاته المضيئة، وما لَحقه من سنّة شارحة مفصِّلة من
المعصومين من النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله، والأئمة من أهل بيته عليهم السلام أجمعين.
يقول سبحانه في سياق الآية السابقة" وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" ٢ ومن صفة هذا الكتاب ما أفاده قوله عز من قائل" ... فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ" ٣ فهو دالّ على أنه- أي كتاب الله- من عند الله وحده، مبيّن لما تحتاجه المسيرة البشرية على طول المدى إذا أُخِذَ عنه من حَمَلَة علمه ٤، وهو هاد لا يضل متّبعه، ورحمةٌ لا تشقى حياة أمة سلكت منهجه، وتأدبت بأدبه، ولا تنقطع بأهلها عن سعادة الآخرة ونعيم الأبد.