محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٢ - الخطبة الثانية
إذا كان الموقف الأول يمثّل خطراً، وليس كذلك لأن الكلمة ذات المضمون الواحد، والعلنية، والتي لو قيلت هنا لشرّقت وغرّبت، ولو قيلت هناك لوصلت هنا، هذه الكلمة لو قيلت في الخارج فهي لا تحمل خطرا أكبر من أن تقال في الداخل.
مع ذلك أقول لو كان ذلك الكلام يحمل خطرا فأي الموقفين يحمل خطورة أكبر على الأمة، على تاريخها، مستقبلها، أصالتها، مصالحها، هويتها؟ أن يقال كلام عابر من ذلك النوع وإن كان في بلد آخر، أو أن يتدخل الأجنبي مباشرة في صناعة رجال المستقبل هنا، وتحت سمع وبصر الكل. وعجبا من الصحافة أن تواجه الكلام الأول المذكور بالاستنكار والتوعد الشديد، وتشن حملة شرسة على الكلمة وقائلها.
أما الموقف الثاني وهو التدخل الأجنبي، فالصحافة تقدّمه بصورة مغرية للناشئة والشباب وكأنها دعوة صريحة لكل نابه في هذه الأرض، ولكل عقل ترتقب منه الأمة خيرا إلى أن يلتحق بالقافلة الأمريكية التي تغزو أمتنا على كل الأصعدة والمستويات. هنا لغز، وكثيراً ما يُسكت عن الألغاز.
وهل أمريكا تعرف العدل والإحسان؟ تبحث عن أذكيائنا لتصنعهم صنعا لنا؟ تبحث عن العقول هنا لتربيها هناك فتأتي رجالاتٍ تحمل رسالة الأمة وهمها، وتعمل على طرد عدوها الغازي المستكبر الأجنبي من أرضها؟ هذا تفعله أمريكا؟ هذا يتجاوز الإحسان، هذا يمثل حالة انتحار للذات، أتنتحر أمريكا هذا الانتحار؟ أمريكا يمكن أن يدخل في قاموسها عدل أو إحسان؟!
الفلسفة التي تقوم عليها الحياة الأمريكية من ألفها إلى يائها رسميا هي مبدأ المنفعة واللذة المادية. وكل شيء وسيلة، والمنفعة واللذة غاية. والدين واحد من مراكب أمريكا إلى تحسين الوضع الاقتصادي الأمريكي، والرفاه الأمريكي، والغطرسة الأمريكية.