محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٠ - الخطبة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
سورة الزلزلة نداءٌ إلى الغارقين في الدنيا، الكادحين المكدودين فيها ولها، المتشبعين بهمها، المتنافسين على جيفتها، الذين لا يرمون ببصر وراء جدرانها المحدودة، ومحيطها الخانق.
نداءٌ إلى الذين يركضون ليلًا ونهاراً يزرعون، ويبنون، ويقيمون مصانع، ويشيدون قصورا وعمارات وناطحات سحاب، وكل ذلك من أجل هذه الدنيا.
إلى خلق كثير لا يعرف من هذا الكون العريض إلا همّاً كان مصدره بطنه وفرجه، إلى الذين تقوقعوا فلم يقصر نظرهم عن ما وراء الكون فحسب، إنما وصل بهم التقوقع حتى لم يروا إلا ذواتهم المادية، لا يكتشفون من وجودهم روحا، ولا يقيمون لحظة مع الهم المستقبلي، ولا يمتد بهم نظر إلى ما بعد خطوات، إلى هؤلاء الذين تطحن أعمارهم هذه الحياة لتحوّل كل أعمارهم إلى شيء من الهباء المنثور، وليت الأمر يقف عند ذلك بل إن هؤلاء يُنفقون العمر فيما يحوّلهم ليس إلى صفر من حيث الروح وكفى وإنما لينتهي بهم إلى أحجار خالدة في جهنم.
إلى هؤلاء كلهم تطرح سورة الزلزلة قضية مستقبلية ولكنها متحققة لا محالة. السورة في صورة قضية شرطية، تطرح شرطا وجزاءا، إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها هذه بداية الشرط، وبداية الجزاء يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ.
أنت أيها الإنسان هنا ليس لأن تبقى، وليس لأن تبني ما حولك وتهمل نفسك، وليس لأن تشيد من ذاتك عمارة لا يمتد بها العمر إلا إلى ستين سنة أو مائة سنة أو ما يقل أو يزيد، إنك هنا من أجل أن تبني ذاتا باقية خالدة، وخلودها خلود الصالحين، خلود