محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٨ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أوجد المخلوقات كلَّها بعد عدمها، وأظهرها بعد خفائها فكانت دلالتها عليه من إظهاره لها، وأنَّى لها أن تكون دلالتها بنفسها عليه وهي المحتاجة إليه، ولا ظهور لها إلا به، ولا تملك تحقّقاً إلا بقدرته، ولا معرفة لشيء بنفسه إلا بفيضه؟! الأشياء لم تعرف نفسها إلا بفيض ربّها، فكيف تكون معرّفة له؟ إنه الدال بذاته على ذاته. تجلَّى بقدرته للأشياء، وعرَّفها بذاتها، وبنوره ظهر لمخلوقاته، وهو المظهر لها من ظلمات عدمها.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالدين الحق، والإسلام الكامل، والمنهج الشامل. صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، والتحصن بها من شرور الدنيا وشرور الآخرة، فعن أمير المؤمنين عليه السلام:" إن التقوى في اليوم- الحياة الدنيا- الحِرزُ والجُنّة-، وفي غد الطريق إلى الجَنَّة، مسلكها واضح- واضح لأن في الصدور علينا حُجّة، وفي كتاب الله حجة، وفيما جاء به المعصومون به عليهم السلام حجة، وفي آيات الأنفس والكون حجة، وفي كل منعطف وفي كل ذرة من الكون حجة-، وسالكها رابح"، وعن الصادق عليه السلام:" من اتّقى الله وقاه"، تقول لي كيف أتّقي؟ أقول لك: من تفكّر وتدبَّر واعتبر اتقى، وبهائم النَّاس لا يتقون- فإذا وجد أحد من نفسه أنه لا تقوى له فليعرف أنه بهيمة في الناس، كبر ما كبر، وكانت له أي شهادة وأي موقع في عالم الآدميين-، وإنَّ لغة الكون والحياة والموت، وما يجري على النفس ليُعلِّم الناس التقوى لو كانوا يعقلون.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وأدباً رضيّا، وخلقا كريما، وتقوى صادقة، وعملا صالحا ننال به رضاك والزُّلفى لديك.
اللهم صل وسلّم على البشير النذير، والسراج المنير، محمد الهادي الأمين، وعلى آله