محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٩ - الخطبة الأولى
ألا نعلم أن حياتنا في الدنيا فانية؟! أو لم نؤمن بأن لنا حياة بعدها باقية؟! وبأن أعلانا أفضل من أسفلنا؟!- من لم يدرِ بأن أعلاه أفضل من أسفله كان أضلّ من الحيوان سبيلا- وأن العقل والقلب والروح لا يساويها بطن وما شابه؟! وبأن الآخرة خير لمن اتقى من الأولى؟! وبأن الله أعظم حقاً، وأكبر من كل المجزين أجرا؟! وأن وقت العمل محدود وزمن نتيجته ممدود؟! وأن من دعا لتقديم الدنيا على الآخرة فليس على هدى، ومن دعا لتقديم الآخرة على الأولى فهو أصدق وأولى؟! وأن الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه لا يضيع عنده عمل عامل؟! وأن كل نفس بما كسبت رهينة؟! وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى؟! وأن من رضي لنفسه ثمناً دون الجنة فقد بخسها؟! ومن وقف بها دون غايتها من الكمال فقد ظلمها؟! ومن قدم المخلوق على الخالق، أو ساوى بينهما فقد أجحف وسفه؟!
هذه وأمثالها وأشبابهها من القضايا حقائق كبرى لا يسوغ لمؤمن أن يجهلها، ولا يرى له عقله تجاهلها وإهمالها. فقدْ فَقَدَ الحكمة من قاسها بغيرها، أو من قدّم في مشاعره ومنهج حياته وحساب ربحه وخسارته ما عداها عليها، أو من عاقلٍ وقد علم أن الوظيفة الفلانية أدرّ عليه رزقا من غيرها، وأقل نصبا، وأشرف موقعا، وأنفع خبرة يقدم عليها غيرها؟! أو من صاحب حكمة يقدم في إرادة زواجه امرأة وضيعة جاهلة بذيئة مؤذية قبيحة على أخرى هي مثال في الشرف والعلم والخلق والجمال وهو عالم منهما كل ذلك؟!
إننا من موقع العقل والمصلحة نحاول دائما أن نلمّ بكل الحقائق الموضوعية المؤثرة في خياراتنا الدنيوية ونبني خيارنا على ضوء هذه الحقائق، وهذا منهج سليم، ولا نرضى لأنفسنا أن نقدم القليل على الكثير، والقبيح على الحسن، وما يفنى سريعا على ما يبقى طويلا، وما يتعب على ما يريح، وما هو أشد أذى على ما كان أقل في أذاه، أليست هذه