محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢ - الخطبة الأولى
عباد الله أوصيكم ونفسي الأمَّارة بالسوء بتقوى الله، وأن لا نشرك به أحداً؛ وما أكثر ما نقع في الشرك الخفي فيما تحتضن منَّا النفس من مشاعر، وفيما نقول، ونعمل ونحب ونبغض، ونصادق ونعادي. وما أشد الحاجة إلى مراقبة النفس، والنظر في المشاعر والخواطر، والالتفات إلى القول والعمل، وما وراءهما من دوافع، والمحاسبة في كلّ هذه الأمور لعل النفس تتخلص من بعض ظلماتها وتصحو، وتؤوب إلى بارئها وتنجو.
اللهم أنقذنا من الضلال، وأخرجنا من الظُّلَم، ونزهنا من الشرك، وأخلصنا لك، وآنسنا بذكرك، وصلِّ على عبدك ورسولك محمد وآله يا كريم يا رحيم.
أما بعد فلنقف عند قوله تعالى:" فأقم وجهك للدين القيّم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله يومئذ يصدّعون".
نستضيء بنوره، ونتفيء ظلاله، ونأخذ من هديه.
١) إن إقامة الوجه للدين خلوص التوجه له، والإنشداد كلّيّاً إليه، بلا ميل إلى يمين أو شمال، لأن لا جاذبية لشيء آخر يوازي جاذبيته، ولا ثقة بأي طرح كان كالثقة به، بل لا اعتبار بغيره، ولا احتمال للخير في ما خالفه. وهذا هو مقتضى الإيمان الكامل بدين الله واليقين الثابت بأنه من عنده. فلا ركض وراء الشعارات من هنا وهناك، ولا تلتفت للغثِّ الكثير المستورد من شرق أو غرب، أو ما يأتي به بشر أيَّاً كان، ومن أي مكان، وفي أي زمان كان أو يكون، مما يخالف كلمة الوحي وحكم السماء.
٢) وذلك كله لأن المأمور بالتوجه إليه هو الدين القيَّم الذي لا عوج فيه، ولا يدخل بناءه خلل، ولا لَبِنَة فيه من الباطل، أو الفكر المهزوز، أو الشعور السقيم، أو التوجه الضار، أو ما ينطلق من وهم بشري، وضعف أرضي، أو هوىً عابث. وهو المنهج المتفرد بالمتانة والسلامة، فلا وجود لمنهج قيّم آخر، ولا طريقٍ مستقيمٍ غيره. ولهذا لزِم أن يكون الإنشداد وإليه مطلقاً حيث ليس في ما سواه منجىً ولا خلاص، ولا سموٌّ ولا فلاح.