محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٤ - الخطبة الأولى
التأكيد على ربط سعيه بالآخرة. ولكنه واقعي أيضاً .. لا يهمل الحياة وحاجاتها .. وضروراتها وخواطرها وهواجسها التي تخالط نفس الإنسان، فيعالجها المعالجة الحكيمة التي تقدر لهذا الموضوع ضروراته وحاجاته، من غير أن تفتح له باب السرف وتخريب الروح.
" ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا"، والإحسار كما عن الصادق عليه السلام الفاقة.
فتصدق ولكن ليس إلى الحد الذي يصل بك إلى الفاقة وخلوّ اليد،" وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" البقرة (٢١٩)، ومن تفسيرات العفو هنا ما قاله صاحب الميزان وأنه التوسط في الإنفاق.
من وصايا رسول الله (ص) لأمير المؤمنين عليه السلام:" أما الصدقة فجهدك" وعن رواية الكافي (فجهدك جهدك تأكيداً) حتى تقول قد أسرفت، ولم تسرف".
يدفع الحديث إلى الإكثار من الصدقة، والبذل السخي في هذا السبيل حتى يستنفذ الإنسان جهده وطاقته، والى حد أن يرى نفسه أنه قد أسرف، ولكن هذه الرؤية يصححها الحديث بذيله فيقول: ولم تسرف، وكيف نجمع بين هذا وما سبق؟ يأتي إن شاء الله.
ربما احتمل" معنى قد أسرفتَ ولم تُسرف" المشارفة على الإسراف وليس الوصول إلى حد الإسراف، وقد يكون المعنى أن الإسراف في الصدقة لا يُعد إسرافاً.
" لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ما كان أحسن ولا وُفّق"،
هذا أنفق ماله كله في سبيل من سبل الله، إلى حد لم يبق في يده شيء. يحكم عليه الحديث بأنه ما كان أحسن ولا وفق ويسلب عنه صفة أنه أحسن، وصفة أنه وُفق! كيف نجمع بين هذا وبين ما سبق؟!