مقامع الفضل - البهباني، الشيخ محمد علي - الصفحة ٩٤ - جواب
فقال: لا، و وقع في قلبه أن ليس على وجه الأرض أعلم منه، فامر بما أمر وجه الابتلاء لما ارتكبه من ترك الأولى من إخطار ما لا ينبغي بقلبه [١]، و يحتمل أن يكون المراد ما تقدّم من قوله: لِفَتٰاهُ آتِنٰا غَدٰاءَنٰا [٢]، فليتأمّل.
و قوله مخاطبا للخضر: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [٣] أي: قبيحا، مع أنّه كان مأمورا بمتابعته و التعلّم منه فكان الأولى التأدّب معه و حسن القول، كما ورد في المتعلم بالنسبة إلى المعلم، فعامله الخضر آخرا بما عامله موسى أوّلا، و يحتمل غير ذلك من قول موسى: إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ [٤] و أمثاله.
و لمّا كان موسى أعلى رتبة من الخضر لكونه من اولي العزم من الرسل، و الخضر لم يثبت بعد رسالته، فضلا عن معادلته لموسى، و كان إخباره له ممّا يوهم بظاهره ارتفاع شأنه و سموّ مكانه عليه؛ تعرّض الإمام (عليه السلام) لدفع هذا الإيهام فقال: «و لم يكن ذلك» أي: إخبار الخضر لموسى، معلّلا «باستحقاق للخضر»، أو بسبب استحقاقه «الرتبة» هو مفعول الاستحقاق «على موسى»، و الحال أنّ موسى «أفضل من الخضر» بمراتب لما ذكرنا، «بل كان» ذلك «لاستحقاق موسى للتبيين» و الاستكشاف عن وجوه تلك الأسرار و إظهار وجوه الحكم فيها للناس و لم يكن الخضر قابلا لذلك، كما أنّ السفير من الأمير إلى الوزير- مثلا- ربّما لم يكن قابلا إلّا لمجرّد إبلاغ الرسالة و الخطّ دون إجراء ما فيه من الأحكام، و هذا موافق لما عليه أصحابنا و بعض العامة من تفضيل الأنبياء على الملائكة حتّى جبرئيل ملك الوحي [٥].
[١] لاحظ! بحار الانوار: ١٣/ ٢٨١.
[٢] الكهف (١٨): ٦٢.
[٣] الكهف (١٨): ٧٤.
[٤] اعراف (٧): ١٥٥.
[٥] أوائل المقالات للمفيد: ٤٩- ٥٠، الاعتقادات للصدوق (رحمه اللّه): ٨٩ باب ٣٤، تفسير التبيان: ١/ ١٥٠، التفسير للفخر الرازي: ٢/ ٢٣٤، بحار الانوار: ٥٧/ ٢٨٥- ٣١٧.