ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣٩٦ - الباب الثاني و الخمسون العدل، و الإنصاف، و استعمال السوية في القسمة و غيرها، و ذكر من عدل و أوصى بالعدل
تدخلها دخول متسلط عليه و لا عنيف به، و لا تنفرنّ بهيمة، و لا تفزعنّها، و لا تسوأن صاحبها فيها.
-و قال للأشتر [١] حين ولاه مصر: اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، و تجلس لهم فيه مجلسا عاما، فتتواضع فيه للّه الذي خلقك، و تقعد عنهم جندك و أعوانك من أحراسك و شرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع [٢] ، فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع، ثم احتمل الخرق [٣] منهم و العي، و نح عنهم الضيق و الأنف، يبسط اللّه عليك أكناف [٤] رحمته، و يوجب لك ثواب طاعته.
٣٥-لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم، فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها و سألوه أن تكلمه، فقال لها: إنّ رسول اللّه سلك طريقا، فلما قبض سلك صاحباه ذلك الطريق، فلما ولي عثمان سلك ذلك الطريق غير أنه خدّ فيه اخدودا [٥] ، فلما أفضى الأمر [٦]
الى معاوية فجره يمينا و شمالا، و أيم اللّه لئن مد لي عمر لأردنّه إلى الطريق الذي سلكه رسول اللّه و صاحباه. فقالت له يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا، فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا أمّننيه اللّه أن خفته. فخرجت إليهم فقالت: أ فتتزوجون في آل عمر بن الخطاب فإذا راعهم الشبه تكلمتم؟و ذلك أن أم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن
[١] الأشتر: هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي.
راجع المزيد عن ترجمته في نهج البلاغة ٢: ١٠٢.
[٢] غير متعتع: غير متلعثم في القول لخوف أو مهابة.
[٣] الخرق: العنف و العي العجز عن النطق-و الأنف بالتحريك الاستكبار.
[٤] الأكناف: الأطراف و الحواشي.
[٥] خدّ أخدودا: حفر خندقا.
[٦] أفضى الأمر: انتهى.