ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ١٢٨ - الباب الأربعون الأصوات و الألحان في الشعر و القرآن، و ما جاء في الغناء من التحليل و التحريم، و ما اتصل بذلك
يوم تبدي لنا قتيلة عن # جيد تليع تزينه الأطواق [١]
و كان الغناء في أهل المدينة حائزين فيه قصبات السبق [٢] .
٤٧-يحكى أن ابن سريج [٣] و الغريض [٤] قدما المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها و صار بالمغسلة، و هي جبانة على طرفها تغسل فيها الثياب، إذا هما بغلام ملتحف بإزار و بيده حبالة يتصيد بها و يتغنى «القصر فالنخل» ، قالا: فسمعنا شيئا ما سمعنا مثله قط، فقال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطير!فكيف بمن في الجوية؟أما أنا فثكلت والدته إن لم أرجع. فكرّا راجعين.
٤٨-و قيل: أربع في أهل المدينة: الغناء، و المتعة [٥] ، و الماء من
[١] البيت للأعشى: و قتيلة: اسم امرأة. و الجيد التليع. الطويل. و لهذا البيت خبر طويل رواه أبو الفرج في الأغاني:
[٢] قوله: حائزين فيه قصبان السّبق: أي أنهم كانوا الغالبين. و أصله أنهم كانوا ينصبون في حلبة السباق قصبة فمن سبق اقتلعها و أخذ ليعرف أنه السابق.
[٣] ابن سريج: هو عبيد بن سريج، و قيل عبيد اللّه، مولى بني نوفل بن عبد مناف كان مغنيا مشهورا من أهل مكة أخذ الغناء عن ابن مسحج و كان منقطعا إلى عبد اللّه بن جعفر. كان يغنّي مرتجلا و يوقع بقضيب، و ابن سريج هو أول من ضرب بالعود على الغناء العربي بمكة. و غنّى في زمن عثمان و مات بالجذام في خلافة هشام بن عبد الملك و عمره ٨٥ سنة. راجع ترجمته في الأغاني ١: ٢٤٧ و الأعلام للزركلي.
[٤] الغريض: هو عبد الملك، كان قبل أن يغنّي خيّاطا، و أخذ الغناء عن ابن سريج ثم تعلّم النوح فكان ينوح في المآتم، و لما كثر غناؤه اشتهاه الناس لما كان فيه من الشجا، فكان ابن سريج لا يغني لحنا إلاّ عارضه الغريض فيه لحنا آخر توفي سنة ٩٧ هـ. راجع ترجمته في الأغاني.
[٥] المتعة: المقصود بها نكاح المتعة أو الزواج المنقطع أو الزواج المؤقّت إلى أجل مسمّى و هي كالزواج الدائم لا تصحّ إلاّ بعقد يشتمل على قبول و إيجاب و لهذا الزواج شروطه المذكورة في كتب الفقه عند الشيعة الإمامية. و المسلمون متفقون على تشريع هذا الزواج من اللّه سبحانه (سورة النساء، الآية: ٢٤) و لكنهم مختلفون في نسخ هذه الآية أم عدم نسخها. فالشيعة يقولون إن عمر بن الخطاب هو الذي نهى عنها و حرّمها اجتهادا منه بقوله: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما، متعة الحج و متعة النساء» . و يقولون بأن ليس من حق أحد أن يحلّل أو يحرّم في مسألة ثبت فيها نصّ و حكم من اللّه أو من رسوله. فالرسول لم يحرّم أي حكم من الأحكام الإسلامية التي أحلّها اللّه سبحانه و لم يحرّم المتعة بدليل أن الصحابة تمتعوا في عهد أبي بكر و شطر من عهد عمر نفسه كما روى ذلك مسلم في صحيحه.