التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٣ - باب القصد في العبادة
باب القصد في العبادة
و عقد ثقة الإسلام الكليني بابا في الأصول من الكافي الشريف، ترجمه بباب الاقتصاد في العبادة، ذكر فيه أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السّلام و أهمّها النقل عن جدّهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشأن الرفق في الدين و تيسيره دون تعسيره، نذكرها بالنصّ:
[٢/ ٤٨٣٥] روى بالإسناد إلى الإمام أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، و لا تكرّهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه، فتكونوا كالراكب المنبتّ، الّذي لا سفرا قطع و لا ظهرا أبقى»[١].
قوله: «كالراكب المنبتّ» أي المفرط المجهد في السير بحيث أتعب مركوبه فعطب عن الجري.
قال ابن الأثير: يقال للرجل إذا انقطع به في سفره و عطبت راحلته: قد انبتّ، من البتّ: القطع. و هو مطاوع بتّه و أبتّه. يريد أنّه بقي في طريقه عاجزا عن مقصده و لم يقض وطره، و قد أعطب ظهره[٢].
[٢/ ٤٨٣٦] و روى بالإسناد إلى الإمام أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السّلام: «يا عليّ، إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، و لا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك، فإنّ المنبتّ- يعني المفرط- لا ظهرا أبقى و لا أرضا قطع. فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما، و احذر حذر من يتخوّف أن يموت غدا»[٣].
قال الشريف الرضيّ: و وصف الدين هاهنا مجاز، و المراد أنّه صعب الظهر، شديد الأسر[٤] مأخوذ من متن الإنسان، و هو ما اشتدّ من لحم منكبيه. و إنّما وصفه- عليه الصلاة و السّلام- بذلك، لمشقّة القيام بشرائطه، و الأداء لوظائفه. فأمر- عليه الصلاة و السّلام- أن يدخل الإنسان أبوابه
[١] الكافي ٢: ٨٦/ ١.
[٢] النهاية ١: ٩٢« مادّة بتّ».
[٣] الكافي ٢: ٨٧/ ٦.
[٤] الأسر: الشدّ بالقيد المستحكم. قال تعالى:« نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ»( الإنسان ٧٦: ٢٨) أي استحكمنا أربطة مفاصلهم.