محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٧٧ - الخطبة الأولى
حيث إنَّ الدافع هنا فيه طواعية أكبر." تُطَهِّرُهُمْ" النفوس تمرض، القلوب تخبث، الأرواح تتكدر، وكل ذلك بفعل الارتباط بالمادة، والركون إليها، والاستئناس والاعتماد والتوكل عليها، وتتطهر هذه النفوس بأن تعطي من هذه المادة، عن إلزام أو طواعية، وأن تقدم مريدة مختارة على التضحية بهذا الصنم، وعلى إقناع الذات بأنها ليست في قيمتها من قيمة هذا الذي باليد، والنفس قبل أن تتطهر لا تتزكى، فإن الزكاة نموٌّ، ونمو الذات دائما يحتاج إلى ذات من أرضية طاهرة، حين تنقى الأرض من الشوائب تعطي النماء وتخضل وتخضر، أما وهي فيها عوائقها وشوائبها فهي جدباء. نعم الروح تبقى جدباء لا تنمو ولا تخضر ولا تترعرع قيمُها العالية إلا بعد أن تتطهر.
شأن أرفع شأن:-
" أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" ١٠٤/ التوبة.
يقول السيد صاحب الميزان عما توحي به كلمة الصدقات، أن الآية تغري المسلم، بأن يتصدق لهذا الشعور؛ شعور أن صدقته كأنه يصافح بها يد الله تبارك وتعالى وتنزه عن اليد والعين والرجل وكل ما جسم، وكل ما يحد. نعم هذا الشعور ينبغي أن يدفع الإنسان المسلم إلى مقدمة المتصدقين والمديمي الصدقة.
عن الصادق عليه السلام" إن الله تبارك وتعالى يقول: ما من شيء إلا وقد وكلت من يقبضه غيري إلا الصدقة، فإني أتلقفها بيدي تلقفا ...". تكريما للمتصدق، وتكريما للصدقة، تكريما للشعور الواثق في الله، الزاهد في الدنيا، الشعور المعتمد المتوكل على الحق سبحانه لا على الممكنات. الله عز وجل يتسلم صدقة العبد مباشرة، وفي ذلك لطف آخر غير ما تقدم، وهو أنك أيها العبد المتصدق هذا المال حيث يصل إلى يد أخيك ليس مالك وإنما