محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٢ - الخطبة الأولى
في هذه الحياة لتصنعنا على طريق الآخرة وُتِعدُّنا لها، وحالنا في ذلك حال الإعداد في عالم الرحم للحياة على وجه الأرض والتعامل معها؛ إذ أن من أجهزة البدن التي تتم عندنا في بطون الأمهات إنما تظهر حاجتها عندما نلتقي البيئة الجديدة على الأرض.
نعم، إنه لابد من آخرة تتحقق فيها آمال الإنسانية الكبرى آخرة تكبر هذه الدنيا وتتجاوزها خيرا بما لا يتناهى، وهي التي تعطي هذه الحياة قيمة ووزنا لا تجده لو كانت حياتنا هذه هي الآخرة والأولى.
وإذا آمنا بالآخرة وتحدد عندنا حجم هو للدنيا، وحجم هو للآخرة، وما عليه علاقات الأولى بالثانية حيث الإعداد هنا والحصاد هناك انطرحت على النفس مثل هذه التساؤلات:
هل نحن منسجمون مع تصورنا الإيماني للدنيا والآخرة؟ كم ننفق من مال وراحة وصحة ومواهب وطاقات للدنيا؟ وكم ننفق من ذلك للآخرة؟ كم نحزن، كم نفرح؟ كم نصادق؟ كم نعادي؟ كم نحب؟ كم نبغض من أجل الدنيا ومن أجل الآخرة؟ متى تشتدُّ غيرتنا بدرجة أكبر؟ ونستثار أكثر: عندما ننهب دنيانا أو الآخرة؟ أتراني على الطريق عندما أتعلم كل شيء أحتاجه أو لا أحتاجه للدنيا ولا أتعلم شيئا أحتاجه للآخرة؟ أدقيق أنا عندما أعطي يوم شبابي وقوتي وجلادي ونشاطي للدنيا وأؤجل هموم الآخرة ووظائفها ليوم العجز والمرض والشيخوخة والهرم؟.
ونحن نسمع قوله تعالى:" فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" يثور عندنا سؤال: كم تحمل الدقيقة الواحدة من العمر من ذرات العمل الصالح أو الطالح؟ وهل دقيقة من العمر وعملها الصالح تدخلنا الجنة؟ ودقيقة وعملها الطالح تدخلنا النار؟ ولم لا، والدقيقة الواحدة من العمر قد تحمل بلايين لا نستطيع عدها من ذرات العمل