محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٩ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والتفضُّل والإنعام، والمغفرة والإحسان، الذي وسِع جودُه أهلَ طاعته ومعصيته، وعمَّ حفظُه من آمن أو كفر به، ووعد بحسن التوبة على من أساء إليه عند أوبته، وشكر من أطاعه بتوفيقه وهدايته، وجزى بالكثير أهلَ الطاعة من عباده لتفضله، ولم يجزِ بالسيئة إلا مثلَها بعدله ورحمته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله نقَّاه وهداه واصطفاه وأجزل في إنعامه له وإكرامه، كما أخلص هو لربه العظيم في خشوعه وخضوعه. صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كثيراً.
عباد الله أوصيكم ونفسي المُشقيةَ لي بتقوى الله القائل وهو الغني الحميد (... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤/ البقرة. فمن أراد أن يكون الله سبحانه معه يكشف عنه الكرب، ويُفرّج الهمّ، ويدفع الشدَّة، ويحميه من الضائقة، ويكفيه من الضلال، ويتولى أمره كلّه باللطف الوفير، والرحمة الواسعة، والتدبير الحاني، والإحسان الجميل فليتقِ الله، وإن يكْفُر به فلا دافع له منه، ولا منقذ له من غضبه، ولا رادّ لنقمته.
والتقوى تحتاج إلى مقاومة في طلبها، ولكنها مُلِذَّةٌ بعد اكتسابها، وما يجعل أمرها اليوم صعباً بالغاً في بدايتها ما عمَّ من سوء الجاهلية الجهلاء في الأرض، ومثَّل ضغطاً هائلًا على النفس في التمسك بهُداها. وليس معذوراً من يَرمي بنفسه متعمداً في مستنقعات الجاهلية، ومواطن الفتنة، وموارد السقوط، ومَثارات الشهوة فيفقدُه ذلك قدرته على التقوى، والتحلّي بالعِفَّة والنزاهة، والاستقامة على الطريق.
اللهم اجعلنا وإخواننا وأخواتنا في الإيمان ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، ويقدر على الفعل فيأخذ بأكرمه، ولا يختار إلا ما يوافق التقوى مما هو أحب إليك ربّنا وأرضى.