محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٦ - الخطبة الأولى
وهذا من حِكَمِ التأخر بالإجابة:
١." في الزبور؛ يقول الله تعالى: ابن آدم تسألني فأمنعُك لعلمي بما ينفعك، ثم تُلحّ عليّ بالمسألة فأعطيك ما سألتَ فتستعين به على معصيتي،- كان التأخير لدفع هذا العبد عن المعصية، لكن بعد أن يلحّ يستجاب له لا رحمة وإنما عقوبة، وتأتي النتيجة أنه يعصي الله بما أعطاه مما سأله- فأهمُّ بهتك سِترِك، فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميل أصنع معك، وكم قُبحٍ تصنع معي. أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبداً". ٥
إن السوء في الظن بالله، والإلحاح من منطلق تهمة الله عز وجل في حكمته أو كرمه ولطفه، ومعاودة الذنب بعد الذنب، وإلاصرار على ذلك قد يأتي بنتيجة بالغة الصعوبة؛ فليس أقسى على عبد من غضبٍ لجبار السماوات ولأرض عليه لا يشمله بعدها رضاه أبداً.
وربُّ داعٍ يلحّ في مسألته، ولكن ما سأله مؤد إلى معصيته لربه، وفي ذلك هلكته، وتراه بعد ذلك مستحقاً للهتك لولا دعاؤه بالسَّتر، وربما عاد يدعو بما فيه ضرره، ويلح إلحاح الشَّاكِّ في حكمة ربه ورحمته، ثم يعود في معصيته حتى ينتهي به الأمر إلى تعريض نفسه إلى غضبة قاضية من الله لا يعقبها رضى، ولا تناله بعدها رحمة.
وقد تقدّم من الحديث حول الدعاء أن الإلحاح فيه محبوب إلى الله، ولكن حيث يعني الإلحاح الأمل والتصديق بالحكمة والرحمة والكرم والتعلّق بالله والولع بذكره ودعائه، أمَّا الإلحاح القائم على الرضا باختيار العبد، والاستبطاء المتِّهم للربِّ فهو مما يوجب السُّخط، ويقضي باستحقاق العقوبة.
٢." إن الله تبارك تعالى يقول: إنَّ من عبادي من يسألني الشيء من طاعتي لأُحبَّه فأصرفُ ذلك عنه لكي لا يعجبَه عمله". ٦