محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٥ - الخطبة الأولى
(عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ٣
حبنا للشيء ليس من منطلق العلم بالواقع دائماً، أو من مطابقة علمنا للواقع دائما، قد نرى ظاهراً من الأمر فنحسب فيه الخير لنا فيأتي منّا الدعاء على طبق هذا الظاهر، إلا أن هذا الظاهر قد لا يوافي واقعا مطابقاً، وإنما هو مخالف لواقع المصلحة في علم الله، وقد يحمل من المضرة لهذا العبد ما لا يقدّره.
للإنسان تسرُّعه غير المدروس، وتعجُّله وتهوره، وله جهله وهو كثير، وما أقل ما نعلم وما أكثر ما نجهل" وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا"، وكثيراً ما حرص الإنسان على ما فيه شرُّه، وزهد في ما فيه خيره، وبادر داعياً وساعياً يطلب الأول، ويدفع الثاني، جهلًا منه لخير الخير، وشرِّ الشر، واندفاعاً بلا حساب على طريق هذا الجهل.
ولا يستجيب الله العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا يواري عن علمه مكان ولا زمان كلّ ما سأله عبده وإن كان فيه شرُّ دنياه أو آخرته، مما كان يحسبه خيراً، ويراه غنماً وذلك من لطفه ورحمته، ولكنَّ العبد قد يجهل من جديد، ويُسيء الظن في ربّه، ويخرج عن حدِّ الأدب في حقّه بما يعتريه من أوهام- لتأخُّر الإجابة- بعيدةٍ عن مقتضى الكرم الإلهي، والقدرة المتعالية، والرحمة الواسعة، واللطف الكبير.
على أنَّ البطء بالإجابة كثيراً ما كان بسبب الداعي نفسه فعن أمير المؤمنين عليه السلام:" لا تستبطئ إجابة دعائك وقد سددت طريقه بالذّنوب"،" وروي أن موسى عليه السلام رأى رجلًا يتضرع تضرّعاً عظيماً، ويدعو رافعاً يديه، ويبتهل فأوحى الله إلى موسى: لو فعل كذا وكذا لما استجبتُ دعاءه، لأن في بطنه حراماً، وعلى ظهره حراماً، وفي بيته حراماً". ٤