تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٦٥ - بهم بهم
المفسر ما لما انْبَهَم ، و لم يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ انْبَهَمَ بل الصَّوابُ اسْتَبْهَمَ ، و توقفت مرة لاشْتِهارِه في جَميعِ مصنَّفات النَّحْو أُمَّهاتها و شُرُوحها، ثم رأَيْت الرَّاغِبَ تَعَرَّض له و نَقَلَه عن شيْخِه العلاَّمَة أَبي الحَسَنِ عليّ بن سمْعان الغِرْناطيّ و قالَ: إنَّ انْبَهَمَ غيرُ مَسْموعٍ، و إنَّ الصَّوابَ اسْتَبْهَمَ كما قلْت، ثم زادَ لأَنَّ انْبَهَمَ انْفَعَل و هو خاصٌّ بما فيه عِلاجٌ و تأْثِيرٌ، فلمَّا رأَيْتُه حَمَدْتُ اللَّهَ لذلِكَ و شَكَرْته. انتَهَى.
و أَبْهَمَ فلاناً عن الأَمْرِ إذا نَحَّاه. و أَبْهَمَتِ الْأَرْضُ ، فهي مُبْهةٌ: أَنْبَتَتِ البُهْمَى ، بالضمِ مَقْصُوراً، اسمٌ لنَبْتٍ م مَعْروف.
قالَ أَبو حَنيفَةَ: البُهْمَى مِن أَحْرارِ البُقُولِ رَطْباً و يابِساً، و هي تَنْبُت أَوَّل شيءٍ بارِضاً، حينَ تَخْرُجُ مِن الأَرْضِ تَنْبُت كما يَنْبُت الحَبُّ، ثم تَبْلُغ إلى أَنْ تَصِيرَ مِثْل الحَبّ، و يَخْرُجُ لها شَوْكٌ مِثْل شَوْكِ السُّنْبُل، و إذا وَقَعَ في أُنُوفِ الغَنَمِ و الإِبِلِ أَنِفَت عنه حتى تَنْزعه الناسُ مِن أَفْواهِها و أُنُوفِها فإذا عَظُمَت البُهْمَى و يَبِسَتْ كانتْ كَلأً يُرْعَى حتى يُصِيبَه المَطَرُ مِن عامٍ مُقْبِل فيَنْبُت مِن تحْتِه حِبُّه الذي سَقَطَ مِن سُنْبُلِه.
و قالَ اللَّيْثُ: البُهْمَى نَبْتٌ تَجِد به الغَنَم وَجْداً شَدِيداً ما دامَ أَخْضَر، فإذا يَبِسَ هَرَّ شَوْكُهُ و امْتَنَع، يُطْلَقُ للواحِدِ و الجَمِيع. قالَ سِيْبَوَيْه: البُهْمَى يكونُ واحِداً و جَمْعاً و أَلِفها للتَّأْنِيثِ، أَو واحِدَتُه بُهْماةٌ ، و أَلِفُها للإِلْحاقِ.
و قالَ المبرِّدُ: هذا لا يُعْرَفُ و لا تكونُ أَلِف فُعْلى، بالضمِ، لغيرِ التَّأْنِيثِ، و أَنْشَدَ ابنُ السِّكِّيت:
رَعَتْ بارِضَ البُهْمَى جَمِيعاً و بُسْرةً # و صَمْعاءَ حتى آنَفَتْها نِصالُها [١]
و أَرْضٌ بَهِمَةٌ ، كفَرِحَةٍ ، أَي كثيرَتُهُ على النَّسَبِ، حَكَاه أَبو حَنيفَةَ.
و المُبْهَمُ ، كمُكْرَمٍ: المُغْلَقُ من الأَبْوابِ لا يُهْتَدى لفَتْحِه، و قد أَبْهَمَه أَي أَغْلَقَه و سَدَّهُ. و المُبْهَمُ : المُصْمَتُ
____________
٧ *
كالأَبْهَمِ ، قالَ:
فَهَزَمَتْ ظَهْر السِّلامِ الأَبْهَم
أَي الذي لا صَدْع فيه، و أَمَّا قَوْلُه:
لكافرٍ تاهَ ضَلالاً أَبْهَمُه
قيلَ: أَرادَ أَنَّ قلبَ الكافِرِ مُصْمَتٌ لا يَتَخَلَّله وعْظٌ و لا إنْذارٌ.
و المُبْهَمُ من المُحَرَّماتِ: ما لا يَحِلُّ بوجهٍ و لا سَبَبٍ كتَحْرِيمِ الأُمِّ و الأُخْتِ و ما أَشْبَهَه.
١٧- و سُئِلَ ابنُ عَبَّاس عن قَوْلِهِ، عزَّ و جلَ وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاََبِكُمْ [٢] و لم يُبَيّن أَدَخَل بها الابنُ أَمْ لا؟ فقالَ ابنُ عبَّاس: أَبْهِموا ما أَبْهَمَ اللّهُ.
قالَ الأَزْهرِيُّ: رأَيْت كَثِيراً مِن أَهْلِ العِلْم يَذْهَبون بهذا الى إِبْهامِ الأَمْرِ و اسْتِبْهامِه [٣] ، و هو إِشْكالُه و هو غَلَطٌ، قالَ:
و كثيرٌ مِن ذَوِي المَعْرفةِ لا يميِّزونَ بينَ المُبْهَم و غيرِ المُبْهَم تَمْييزاً مُقْنِعاً، قالَ: و أَنَا أُبيِّنه بعَوْن اللّهِ تعالَى، فقوْلُه، عزَّ و جلَّ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ وَ عَمََّاتُكُمْ وَ خََالاََتُكُمْ وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ [٤] هذا كلُّه يُسمَّى التَّحْريمَ المُبْهَم لأنَّه لا يحلُّ بوجْهٍ مِن الوُجُوهِ و لا بسببٍ مِن الأَسْبابِ، كالبَهِيم مِن أَلْوانِ الخَيْلِ الذي لا شِيَةَ فيه تُخالِفُ مُعْظم لونِه.
قالَ: ١٧- و لمَّا سُئِل ابنُ عَبَّاس عن قوْلِه تعالَى: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ و لم يُبَيِّن اللّهُ الدُّخولَ بِهنَّ أَجابَ فقالَ: هذا مِن مُبْهَم التَّحْريمِ الذي لا وجْهَ فيه غَيْر التَّحْريمِ. سَواء دَخَلْتم بالنِّساءِ [٥] أَو لم تَدْخُلوا بهنَّ، فأُمَّهاتُ نِسائِكم حُرِّمْنَ عليكم مِن جميعِ الجِهاتِ، و أَمَّا قوْلُه: وَ رَبََائِبُكُمُ اَللاََّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسََائِكُمُ اَللاََّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [٦] ، فالرَّبائبُ هنا لسْنَ مِن المُبْهَمات لأَنَّ لهنَّ وَجْهَيْن مُبَيَّنَيْن أُحْلِلْن في أَحدِهِما و حُرِّمْن في الآخَرِ، فإذا دُخِل بأُمَّهاتِ الرَّبائبِ حَرُمَتِ الرَّبائِبُ، و إن لم يُدْخَل بأُمَّهاتِ الرَّبائِبِ لم
[١] اللسان و التهذيب.
[٧] (*) كذا بالأصل، و بالقاموس: الْأَصْمَتُ.
[٢] سورة النساء الآية ٢٣.
[٣] في التهذيب: و اشتباهه.
[٤] سورة النساء الآية ٢٣.
[٥] في التهذيب بنسائكم.
[٦] النساء الآية ٢٣.