تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٢ - أَمم أَمم
رأَتْ رَجُلاً أَيْما إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ # فَيَضْحَى و أَيْما بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ [١]
و هي حَرْفٌ للشَّرْطِ يُفْتَتَحُ به الكَلامُ و لا بُدَّ مِن الفاءِ في جَوابِه لأَنَّ فيه تأْوِيلُ الجَزَاءِ كقَوْلِهِ تعالَى: فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً [٢] .
و يكونُ للتَّفْصيلِ و هو غالِبُ أَحْوالِها، و منه قَوْلُه تعالَى:
أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكََانَتْ لِمَسََاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ [٣] ، ... وَ أَمَّا اَلْغُلاََمُ فَكََانَ أَبَوََاهُ مُؤْمِنَيْنِ [٤] ، ... وَ أَمَّا اَلْجِدََارُ فَكََانَ لِغُلاََمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كََانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمََا [٥] ، الآيات إلى آخِرِها.
و يأْتي للتأْكيدِ، كقَوْلِكَ: أَمَّا زيدٌ فذَاهِبٌ إذا أَرَدْتَ أَنَّه ذاهِبٌ لا مَحَالَةَ و أَنَّه منه عَزِيمَةٌ، و إمَّا بالكسْرِ، في الجَزاءِ مُرَكَّبَةٌ من إنْ و ما، و قَد تُفْتَحُ، و قد تُبْدَلُ مِيْمُها الأُوْلَى ياءً كقَوْلِهِ ، أَي الأحْوَص:
يا لَيْتَما أُمُّنَا شالَتْ نَعامَتُها # إيْما إلى جَنَّةٍ إيْما إلى نارٍ [٦]
أَرادَ: إمَّا إلى جَنَّةٍ و إمَّا إلى نارٍ، هكذا أَنْشَدَه الكِسائيُّ.
و أَنْشَدَ الجوْهَرِيُّ عَجْز هذا البَيْت و قالَ: و قد يُكْسَرُ.
قالَ ابنُ بَرِّي: و صَوابُه: إيْما بالكَسْرِ لأنَّ الأَصْلَ إمَّا ، فأَمَّا أَيْما فالأصْل فيه أَمَّا ، و ذلك في مِثْل قَوْلِك: أَمَّا زَيْدٌ فَمنْطَلِقٌ بخِلافِ إمَّا التي في العَطْفِ فإنّها مكْسُورَة لا غَيْر.
و قد تُحْذَفُ ما كقَوْلِه:
سَقَتْهُ الرَّواعِدُ من صَيِّفٍ # و إن من خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما [٧]
أَي إمَّا من صَيِّفٍ و إمَّا من خَريفٍ وَ تَرِدُ لِمَعانٍ [٨] منها:
للشَّكِّ: كجاءَني إمَّا زيدٌ و إمَّا عَمْرُو، إذا لم يُعْلَمِ الجائي منهما.
و بمعْنَى الإبهامِ: ك إِمََّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمََّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [٩] .
و بمعْنَى التَّخييرِ كقَوْلِهِ تعالَى: إِمََّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمََّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [١٠] .
و بمعْنَى الإبَاحَةِ كقَوْلِهِ:
تَعَلَّمْ إمَّا فِقْهاً و إمَّا نَحْواً، و نازَعَ في هذا جَماعَةٌ مِن النَحَوِيِّين.
و بمعْنَى التَّفْصيلِ ك إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً [١١] .
وَ نَقَلَ الفرَّاءُ عن الكِسائيّ في بابِ إمَّا و أَمَّا قالَ: إذا كُنْت آمِراً أَو ناهِياً أَو مُخْبراً فهي أَمَّا مَفْتوحَة، و إذا كُنْت مُشْترطاً أَو شاكاً أَو مُخيَّراً أَو مُخْتاراً فهي إمَّا بالكَسْر، قالَ: و تقولُ مِن ذلِكَ في الأُوْلَى: أَمَّا اللَّهُ فاعْبِده و أَمَّا الخَمْر فلا تَشْرَبْها، و أَمَّا زَيْد فَخَرَجَ، و تقولُ مِن النَّوعِ الثاني إذا كُنْت مُشْترطاً:
إمَّا تَشْتُمَنَّ فإنَّه يَحْلُم عنك، و في الشكِّ: لا أَدْرِي مَنْ قامَ إمَّا زَيْد و إمَّا عَمْرو، و في التَّخْيير: تَعَلّم إمَّا الفِقْه و إمَّا النَّحْو، و في المُخْتار: لي دَارٌ بالكُوفَة فأَنَا خارِجٌ إليها فإمَّا أَنْ أَسْكُنها و إمَّا أَنْ أَبِيْعها.
و أَمَّا قَوْلُه، و التَّفْصيل الخ فقالَ الفرَّاءُ في قوْلِهِ تعالَى:
إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً : إنَّ إمَّا هنا جَزَاءٌ أَي إن شَكَرَ و إن كَفَرَ، قالَ و يكونُ على ذلِكَ إمَّا التي في قوْلِه تعالَى: إِمََّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمََّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ، فكأَنَّه قالَ: خَلَقْناه شَقِيًّا أَو سَعِيداً.
و أَحْكامُ أَمَّا و إمَّا بالفتحِ و الكسْرِ أَوْرَدَها الشيخُ ابنُ هِشامٍ في المغْنِي و بَسطَ الكَلامَ في مَعانِيهما، و حَقَّق ذلِكَ شرَّاحُه البَدْرُ الدماميني و غيرُه، و ما ذَكَرَ المصنِّفُ إلاَّ أُنْموذجاً ممَّا في المغْنِي لِئَلاَّ يَخْلو منه بَحْره المحيط، فمَنْ أَرادَ التَّفْصيل في ذلِكَ فعَلَيْه بالكتابِ المَذْكُور و شُرُوحِه.
[١] من شواهد القاموس.
[٢] سورة البقرة الآية ٢٦.
[٣] الكهف الآية ٧٩.
[٤] الكهف الآية ٨٠.
[٥] الكهف الآية ٨٢.
[٦] من شواهد القاموس. و البيت لمعبد بن قرط أو سعد بن قرط أو سعد بن قرين، الخزانة ٤/٤٣١.
[٧] من شواهد القاموس. و البيت للنمر بن تولب، شعره في شعراء إسلاميون ص ٣٨١ و انظره تخريجه فيه.
[٨] في مغني اللبيب لابن هشام «و لإمّا خمسة معانٍ» .
[٩] سورة التوبة الآية ١٠٦، و في الآية: «إِمََّا يُعَذِّبُهُمْ» .
[١٠] الكهف الآية ٨٦.
[١١] الدهر الآية ٣.