الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦٣ - الأزهر حصن العربية
البربر و الموالي على ملكهم و تقسيمه بينهم إلى دويلات سهل على الفرنج ازدرادها قطعة قطعة حتى ابتلعوها لقمة سائغة سنة ٨٩٨ ه .. و دالت دولة الفاطميين في مصر و الشام فوقعتا في أيدي الأيوبيين، ثم صارتا إلى المماليك و ظلتا تحت سلطانهم حتى دخلتا في حكم الأتراك العثمانيين سنة ٩٢٣ ه، فأتى على العرب ستون و خمسمائة عام لم يكن لهم فيها سلطان و لا ملك، فأصبحت ديارهم و آثارهم نهبا مقسما بين المغول و الترك و الفرس و الجركس ثم الأسبان بعد قليل، و كان أكثر هؤلاء الأعجام وحشيين أميين فخربوا الدور و هتكوا الخدور و فجعوا اللغة و آدابها و علومها بتحريق المكاتب و تعطيل المدارس و تقويض المراصد و تقتيل العلماء. ناهيكم بما فعله التتار في بخاري و بغداد، و الصليبيون بالشام، و الإفرنج بالأندلس، فلو أن الزمان عفى على اللغة العربية و ألحقها بأخواتها السامية لما كان ذلك خارقا لطبيعة الأشياء و لا بدعا في منطق التاريخ، و لكنها بقيت على الرغم من هذه الخطوب لسانا للدين و العلم، و لغة للحكومة و الأمة في بلاد المغرب و مصر و الشام و بلاد العرب و الجزيرة، و لو لا نعرة الترك و عصبية الفرس لكانت لغة المسلمين كافة. و الفضل في بقائها بعد إدبار الزمان و السلطان عن أبنائها، إنما كان لهذا الأزهر الجليل الذي اختصه اللّه بمزايا تميز بها على غيره، منها صبغته العربية الخالصة بحكم نشأته و بيئته، و موقعه الوسط بين الشرقين الأدنى و الأوسط، فكان ملتقى المسلمين من هنا و من هناك، و منها قربه من الحجاز فكان طريق الحجاج و الرحالين من علماء إفريقية و الأندلس. و منها تخريجه طائفة كبيرة من أعلام الفقه و أعيان الأدب جمعوا شتات اللغة و العلوم و الآداب في أسفار أشبه بدوائر المعارف، و منها مكانته التي بلغت من قلوب المسلمين و الحاكمين مبلغ القداسة و كان لها أثر بالغ في حل بعض المشكلات السياسية و الاجتماعية، و منها كفايته الأساتذة و الطلاب مؤونة العيش بأن كفل لهم الغذاء و الكساء و المأوى و الكتاب، و منها إيواؤه الناجين بحياتهم و دينهم و علمهم و أدبهم و كتبهم من غارة المغول حين