الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦١ - الأزهر حصن العربية
مكان. و حفظها أربعة عشر قرنا إلا قليلا لا تفسد و لا تجمد و لا تتغير مصداقا لقول اللّه تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» و حفظ القرآن يستلزم حفظ لغته، و الناظر في تاريخ الأديان السماوية و الأرضية لا يجد دينا حملته لغته التي أنزل بها أو كتب فيها إلى أقصى الشرق و أقصى الغرب في مدى ١٣٨٠ سنة ثم بقيت محافظة على قوتها وجدتها و وحدتها و طبيعتها إلا دين الإسلام و لغة العرب، أما سائر الأديان فلا تقرأ كتبها الأصلية إلا في لغة البلد الذي ظهرت فيه. فإذا نقلت إلى بلد آخر عن طريق الدعوة قرئت مترجمة إلى لغته، و اختص بمعرفة الأصل طائفة قليلة من رجال ذلك الدين، فمدونة الأسفار البوذية المسماة بالسلات الثلاث لا يقرأها أتباع هذه الملة في الصين و اليابان إلا منقولة إلى الصينية و اليابانية، و التوراة و الإنجيل- و هما كتابان منزلان- لا يقرآن في العالم المسيحي إلا في لغة كل قطر من أقطاره، لذلك ظل تأثيرهما في الآداب الأخرى ضئيلا حتى ترجما إلى اللاتينية و التوتونية القديمة فظهر أثرهما قويا في الآداب الأوروبية.
و ليس كذلك الحال في القرآن، فإن المسلمين اعتقدوا بحق أن لغته جزء من حقيقة الإسلام، لأنها كانت ترجمانا لوحي اللّه و لغة لكتابه و معجزة لرسوله و لسانا لدعوته، ثم هذبها النبي الكريم بحديثه و نشرها الدين بانتشاره و خلدها القرآن بخلوده. فالقرآن لا يسمى قرآنا إلا فيها، و الصلاة لا تكون صلاة إلا بها، لذلك سارعوا إلى تعلمها و التكلم بها و التأليف فيها و التعصب لها و الدفاع عنها و الدعوة إليها حتى حلت محل الفارسية في العراق و الرومية في الشام و القبطية في مصر و البربرية في المغرب، و أصبحت في عصر بني العباس و هو عصرها الذهبي لغة الدين و الأدب و العلم و السياسة و الإدارة و الحضارة في أكثر الدنيا القديمة، و أصبح المسلم على اختلاف جنسه ينتقل من قطر إلى قطر في عالمه الإسلامي كما ينتقل من بلد إلى بلد في وطنه الأصلي، لا يجد مشقة في التفاهم، و لا صعوبة في التعامل، و لا شدة في المعيشة ثم شغل المسلمون- عربهم و عجمهم- بالقرآن و فرغوا له، فكان