الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٥ - حول الأزهر و رسالته
إلى الأماكن الأثرية و معالم السياحة، و تعد لهم في الصيف مقاما هادئا على شواطىء البحر في الأسكندرية. و في نهاية دراستهم تمنحهم شهادات ينتفعون بها عند عودتهم، لا في التدريس فحسب، بل في مختلف المناصب في بلادهم. و لقد بلغ عدد هؤلاء الضيوف في هذا العام اكثر من ثلاثة آلاف طالب، هم سفراء الأزهر غدا إلى بلادهم. فإذا سارت الأمور على هذا المنوال لم تمض بضع عشرات من السنين حتى يكون الأزهر قد جعل من جميع الشعوب الإسلامية أمة واحدة متجانسة في ثقافتها، كما هي متجانسة في عقيدتها و آدابها.
على أن الرسالة الحقيقة للأزهر لن تتحقق على وجهها الأكمل إلا إذا تجاوزت حدودها الإقليمية في الشرق الإسلامي، و أسمعت صوتها من وراء تلك الحدود.
نعم إننا اليوم- و قد تنازعت العالم قوى متناحرة، و آراء متنافرة، قد عجزت أطرافها أن تلتقي عند حد وسط يوفق بينها. و قد أخذت في صراعها تسرع بنا الخطا نحو الكارثة الكبرى- أقول إننا اليوم لفي أمس الحاجة إلى قوة ثالثة تتسم بطابع التعادل و التوازن، لا عن طريق التلفيق بين عناصر متناكرة، بل عن طريق وحدة طبيعية متماسكة يتألف فيها عنصر المادة و الروح، و تتساند فيها مطامح المنفعة و عواطف الإيثار، و تتعانق فيها حرية الفرد و سلطان الدولة، و تندرج بها المصالح القومية في نطاق الرحمة الإنسانية العالمية، و بالجملة فإننا اليوم في أشد الحاجة إلى تلك الحكمة الشرقية الإسلامية التي يعد الأزهر خير ممثل لآدابها، و يوم يتمكن الأزهر من أن يصوغ هذه السياسة الرشيدة في أسلوب واضح سائغ محدد، و يتيسر له من الوسائل ما ينشر به هذه المبادىء في الميدان العالمي، و يبدي فيه المعسكران المتصارعان في الوقت نفسه من حسن النية و قوة العزيمة ما يجعلهما يصغيان إلى ندائه الحكيم، يومئذ يكون لنا أن نتحدث بحق و صدق