الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٤ - حول الأزهر و رسالته
و مسلميها، لاحباط الدسائس البريطانية التي حيكت للتفريق بين العنصرين: أما نفوذ الأزهر في الأقطار الإسلامية فليس من نوع ذلك النفوذ الغامض البعيد، الذي يتمتع به الأزهر بفضل مهابة اسمه و جلال مركزه فحسب، بل إن له في تحقيقه وسائل حية، و أدوات ناطقة. نعم، أليس للأزهر ممثلوه في أقطار الإسلام، و لتلك الأقطار ممثلوها فيه؟ أو ليس هؤلاء الممثلون من الجانبين هم حلقة الاتصال المتبادل الذي يحفظ و ينمي هذه العلاقات الوثيقة بين الطرفين في مختلف النواحي الثقافية و الأدبية و الروحية؟
فأما من أحد الجانبين، فإن الدولة الإسلامية لا تفتأ تلتمس من الأزهر في كل عام، عددا من علمائه ليبصروا شعوبها بحقائق الإسلام، أو ليكونوا أعضاء في هيئات التدريس في جامعاتها و معاهدها، و لا يسع الأزهر إلا أن يرحب دائما بندائهم فلا يرد لهم ملتمسا. و قد بلغ الآن عدد المندوبين من علماء الأزهر في خارج القطر ١٢٥ مدرسا في الأقطار الممتدة من جزائر الفيليبين إلى مملكة ليبيا. بل إن الدول الغربية قد أفادت من نظام الانتداب المذكور، سواء لتغذية جامعاتها، أو لإدارة مراكز الإسلام الثقافية فيها. و ما نحن أولاء نرى من أساتذة الأزهر مندوبين بالفعل في «لوندره» و «واشنطن» و «سان فرانسيسكو» و قد نرى قريبا وصول هذا المدد إلى «باريس» أيضا ...
و نعود إلى الأقطار الإسلامية فنقول: إن صلتها الوثيقة بالأزهر تقوم- من جهة أخرى- على تلك الألوف من شباب المتعلمين الوافدين منها، و الذين يتبناهم الأزهر فيطبعهم بطابعه، و يصنعهم على طرازه. و إن الحفاوة التي يقدمها لهم لمفعمة بأنواع الكرم و الضيافة. فهو يؤويهم بالمجان، و يمنح كلا منهم شهريا مقدارا من المال كافيا لمعيشته، و على الرغم من زيادة عددهم عاما بعد عام، فإن هذه المرتبات يجدونها مكفولة لهم على الدوام، كما أن الجامعة تهيء لهم في أثناء العام رحلات مدرسية بالمجان