الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٥ - الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي
تحت وطأة ذلك الكابوس الفرنسي الذي جثم على قلبها فجأة، و كان الناس يغدون و يروحون و هم لا يدرون من أمرهم شيئا لليوم أو الغد، فما هي إلا ساعات من نهار حتى كانت القاهرة تغلي كالمرجل، و كان الناس يقفون فيها على قدم و ساق متوثبين متحفزين لأمر له ما بعده، فقد تفرق شيوخ الأزهر و طلابه على أبواب الطرق، و تغلغلوا في الحارات و الأزقة بحي الأزهر و الحسينية، و راحوا يتحدثون إلى الناس بشأن هؤلاء الفرنسيين الذين استعمروا بلادهم و نهبوا أموالهم، و اسباحوا حرماتهم، و أخذوا يذكرونهم بحق الدين في الجهاد و الاستشهاد، و كأنها كانت الشرارة قد اندلعت في الهشيم، فإذا بالجموع تتداعى من كل ناحية، و الصيحات ترتفع من كل جانب: إلى الجهاد، إلى الاستشهاد، النصر للإسلام.
و اتصل الخبر بالسلطات الفرنسية، فركب الضابط «ديوي» على رأس قوة كبيرة من الفرسان و الجنود، و مر بشارع الغورية، و عطف على خط الصنادقية، ثم قصد إلى بيت القاضي فوجد جموعا كبيرة من المصريين و هم يصيحون و يتوعدون، فتراجع أمامهم و أراد أن يخرج من بين القصرين، و لكنهم أدركوه و التحموا به في معركة عنيفة أسفرت عن جرح «ديوي» بجراح بالغة و قتل أكثر فرسانه و جنوده، و لم يفلت القائد الفرنسي من براثنهم إلا بأعجوبة ... و أيقن أبناء القاهرة أن هذه المعركة ليست إلا بداية موقف حاسم بينهم و بين الفرنسيين، و أخذوا من وقتهم يستعدون لهذا الموقف، فرابطت الجموع عند الأطراف و على مداخل القاهرة عند باب الفتوح و باب النصر و البرقية و باب زويلة و باب الشعرية، و أقاموا المتاريس في كل مكان مفتوح للهجوم، و أخرجوا ما عندهم من السلاح و الذخيرة، و باتوا الليل ساهرين منتظرين.
و أصبح الصباح، و كانت القوات الفرنسية قد أخذت أماكنها فوق تلال البرقية و القلعة، و هي مستعدة بالعتاد الكامل، و المدافع الثقيلة، ثم أخذت تقصف القاهرة بالقنابل و ركزت الضرب على حي الأزهر بصفة خاصة،