الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٤ - ابن السّبكى
فقد أتيح لابن السبكي من خلال مشاركته في الحياة العامة- مدرسا و خطيبا و قاضيا- أن يرى و بحس مدى التمزق الذي شمل الأمة نتيجة للحكم المملوكي البغيض، الذي نبتت فيه فكرة «تركي و فلاح». و الذي استأثر فيه المماليك بالمناصب الكبرى، و تركوا أصحاب الأرض الحقيقيين يشربون العرق و يقتاتون السهد. و قد وضع ابن السبكي كتابه هذا ردا على سؤال ورد عليه، أو وضعه هو بين يدي كتابه، موضوعه: «هل من طريق لمن سلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه، وردت عليه» و أجابه عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة و صراحة طوائف الأمة، ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف، آخذا في طريقة نواب السلطان و القضاة و المدرسين و رجال الدين من العلماء و الصوفية.
استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عموما، فيقول: «و قد اعتبرت كثيرا من الأتراك يميلون إلى أول شاك، و ما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم» ثم يسخر من هؤلاء الأتراك و تعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة، فيقول: «و أما أنك ترتكب ما نهى اللّه عنه و تترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان، فلا و اللّه لن يتقبله اللّه تعالى أبدا». ثم يتكلم عن السلطان و يحدد اختصاصاته فيقول:
«إن اللّه لم يوله على المسلمين ليكون رئيسا آكلا شاربا مستريحا، بل لينصر الدين و يعلي الكلمة». و حين يتحدث عن العلماء و المفتين يأخذ على بعض هؤلاء و أولئك تعصبهم لمذاهبهم، و أضاعتهم الوقت في الخلافيات، فيقول مخاطبا العلماء: «لو أن الشافعي و أبا حنيفة و مالكا و أحمد أحياء يرزقون لشددوا النكير عليكم و تبرأوا منكم فيما تفعلون» ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «و منهم طائفة تصلبت في أمر دينها، فجزاها اللّه خيرا، تنكر المنكر و تتشدد فيه، و تأخذ بالأغلظ، و تتوقى مظان التهم، غير أنها تبالغ فلا تذكر لضعفة الايمان من الأمراء و العوام إلا أغلظ المذاهب، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم و سرعة نفورهم. فمن حق هذه الطائفة