الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٤٤ - بين الزيتونة و الأزهر
٣٦٤ ه: «كان شديدا على بني عبيد حين ملكوا مصر و الشام ذامّا لهم، منفرا العامة منهم، قاليا لهم، و نقل عن الرقيق أن أبا بكر «كان يفتي في المحافل باستحلال دم من أتى من المغرب، و يستنفر الناس لقتالهم». يريد بني عبيد، ثم قال عياض: «و إنما سلك في هذا مسلك شيوخ القيروان في خروجهم عليهم ... و لم يستقر للفاطميين بسبب ذلك قرار، ففرضت ثورة تونس على خليفتهم المعز بن باديس الصنهاجي أن ينقض طاعتهم حتى فعل [١] و تتابعت مظاهر التمرد عليهم، و الاستخفاف بهم في مصر من ولاية العزيز بن المعز الفاطمي [٢] ثم ولاية الحاكم و اغتياله [٣] بعد أن أعلن الرضوخ لقوة الأمة في الدفاع عن عقيدتها، و صلابتها في التمسك بسنتها فكتب سجله بما فيه، و أتى اليوم بما يقتضيه، يطوي ما كان فيما مضى، فلا ينشر، و يعرض عما انقضى، فلا يذكر، و لا يقبل على ما مر و أدبر، من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية: أيام آبائنا [٤] ...» ثم كانت ولاية الظاهر الذي بدأت الدولة تتضعضع في مدته، إلى أن انتهى حكمهم الحقيقي في ولاية المستنصر و استبداد بدر الجمالي بأمرهم، و تلاشى سيادتهم في ظلمة العدوان الصليبي [٥].
و الروح التي كانت تعمر الزيتونة بتونس و جامع الفسطاط في مصر، هي الروح التي ملأت الأزهر و إن كانت السلطة التي أمرت ببنائه نابية عن تلك الروح؛ لنستنتج من ذلك كله: إن الإخاء قد كان تاما وثيقا بين جامع الزيتونة و الجامع الأزهر من يوم أنشىء الأزهر، إخاء كان في الباطن و الروح، و إن لم يبد في الظاهر و الشكل، فيبقى الأزهر وفيا لروح العابدين العاكفين فيه، مزورّا عن روح الحاكمين المباهين به.
[١] المؤنس لابن أبي دينار ص ٦٥ ط تونس الأولى.
[٢] خطط المقريزي ص ١٦٧ ج ٢ و ما بعدها ط المليجي بالقاهرة.
[٣] المقريزي ج ٤ من ص ٦٨ حتى ص ٧٤ المليجي القاهرة.
[٤] ابن خلدون ص ٦٠ ج ٤ بولاق.
[٥] المقريزي ج ٤ ص ٤٩، ص ١٩٣ ط المليجي.