الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٠ - حول الأزهر و رسالته
و أن يذود عنها، و أن يرمي خارج محيطه بمن يفكر في التحلل منها، و لقد كانت النتيجة الحتمية لهذا الميراث الثقيل أن وقفت حركة التفكير العلمي في الأزهر، و حرم نفسه لذة البحث و النقد، و انحصرت مظاهر التبريز و النبوغ فيه في القدرة على حل المشاكل اللفظية في المتون و الشروح و الحواشي- التي تعود على العلم بكبير فائدة، و بهذا انقطعت علاقة الأزهر بالأمة في تفكيره و علومه و تشريعه، و أصبحت النظرات المتبادلة بينهما كالنظرات المتبادلة بين طائفتين ضاقت كل منهما ذرعا بصاحبتها، و أخذت تتربص بها الأحداث و الدوائر.
ظل الأزهر كذلك حتى هيأ اللّه له- على سنة اللّه سبحانه: من عدم إخلاء الأمم ممن يعرف الحق و يدعو إليه- واحدا من أبنائه لا ينسى التاريخ فضله، هو الاستاذ الإمام المصلح له الشيخ محمد عبده (رحمه اللّه) و رضي عنه. صاح بالأزهر صيحة أيقظته من نومه، و نبهته بعض الشيء إلى واجبه، و كانت مبادئه و أفكاره بمثابة شعاع انبثق في أفق الأزهر، انتفع به من انتفع، و أزور عنه من أزور، و لكنه مع ما قوبل به من محاولات متعددة لإطفائه، ظل قويا وهاجا يجذب إليه أنظار المؤمنين، و ينفذ إلى بصائر المخلصين، و يعلو و يتسع أنفه شيئا بعد شيء. و منذ ذلك الحين اتجهت الأنظار إلى وضع نظم من شأنها أن تمكن الأزهر من الانتفاع بهذا النور، و السير على هداه حتى يقوم برسالته، و يصل إلى غرضه المنشود، فوضعت نظم متلاحقة متشابهة ضمت إلى العلوم الشرعية و العربية كثيرا من العلوم العقلية و الرياضية فاتسع لها صدر الأزهر، و هضمتها عقليته الجديدة.
و الأزهر الآن في كلياته و معاهدة و القضاء الشرعي و الإفتاء، و الوعظ و الإرشاد في المساجد و غيرها، كل أولئك ينتفعون بطائفة كبيرة من العلماء الذين تخرجوا في ظلال هذه النظم، لهم أثر واضح في حياة الأمة من جميع نواحيها، و استمر الأزهر كذلك إلى أن تولى مشيخة الأزهر للمرة الأولى الشيخ محمد مصطفى المراغي، و هو من أبناء الأزهر الذين عرفوا تاريخه