الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٦ - الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي
و تساقطت القنابل على الدور و فوق السكان، و لم يكن دوي القنابل مألوفا لعامة الشعب، فسار بينهم الفزع و الرعب، و لكن المرابطين على المتاريس وقفوا ثابتين يدافعون في شجاعة و عناد، و أمضت القاهرة ليلة مظلمة لم تعهدها من قبل، فكنت لا تسمع في وسط ذلك الظلام الخانق الرهيب، إلا دوي القنابل و هي تتساقط في كل مكان، و إلا صيحات المجاهدين و المدافعين و هي تتجاوب بالثبات و الإقدام، و طال الترقب، و الفريقان يتبادلان الرمي و الضرب، و أرسل الفرنسيون إلى شيوخ الأزهر أكثر من مرة لعلهم يتدخلون لتهدئة الثورة، و لكن المواطنين أصروا على الكفاح إلى آخر رمق من حياتهم.
و استمرت المعركة دائرة يومين و ليلة و تساقط القتلى من الجانبين في الشوارع و الطرقات و تهدمت الدور في كثير من المواقع، و بقي المواطنون في أماكنهم صامدين، يناضلون و يدافعون حتى فقدت الذخيرة منهم، فوقفوا عن الضرب و الرمي، و انفتحت الأبواب أمام الفرنسيين، فانحدروا إلى القاهرة بخيلهم و رجلهم و هم يمعنون في الأهالي العزل قتلا و فتكا، و عاثوا في حي الأزهر جميعه، ثم اقتحموا الجامع الأزهر بخيولهم، و استباح أولئك الذين جاءوا يبشرون في الشرق بمبادىء الثورة الفرنسية ذلك الحرم المقدس، فربطوا فيه خيولهم، و شربوا فيه الخمور، و عاثوا بكل ما فيه من المصاحف و الكتب و الخزائن فسادا و تلفا و داسوها بنعالهم.
و أصبح الصباح في اليوم التالي، و كانت القوات الفرنسية كلها قد تجمعت في حي الأزهر و في جميع الأحياء التي عضدت الثورة، و أخذوا ينهبون الدور و يبحثون عن السلاح في كل مكان، ثم أخذوا يبحثون عن الشيوخ الذين تزعموا الثورة و اعتقلوا الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان، و الشيخ أحمد الشرقاوي، و الشيخ عبد الوهاب الشبراوي، و الشيخ يوسف المصيلحي، و الشيخ إسماعيل البراوي، و حبسوهم في بيت البكري