الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٤٤ - حول الأزهر و رسالته
ببعض ما يجول في نفوس بعض العلماء من مخاوف بشأن اضمحلال هذه الروح بسبب تلك النظم الحديثة التي أدخلت في الأزهر مثل نظام الامتحانات و تحديد المقررات و كثرة المواد الدراسية التي لا تتصل بالدراسات الإسلامية- حتى أن البعض يعتقد أن مستوى التحصيل في الأزهر قد اخفض انخفاضا ملموسا بسبب انصراف الطلبة إلى إحراز الإجازات التي تعتبر سلاحا للتوظف دون الرغبة في التزود بالعلم لذاته و التعمق في المعرفة. و قد كان النظام الذي سلكه الأزهر خلال القرون الماضية نظاما جامعيا بحتا و كانت الروح العلمية تسيطر على جوه، فكانت صلة الطالب بمدرسته صلة وثيقة دعامتها العلم و الرغبة في اعتراف مناهله ... و حسبك أن تعلم أن الجامعات الغربية تتهيأ الآن هذا التهيؤ لتأدية رسالتها.
و لكن ما لبث النظام «المدرسي» الجديد الذي أدخل على الأزهر أن أضعف من هذه الرابطة العلمية بين الطالب و أستاذه. ثم إن النظام يعمل على شحن ذهن الطالب بعلوم لا طائل تحتها و لا يدع له وقتا و لا ميلا للتعمق في نوع عين من المعرفة الإسلامية تعمق من شأنه أن يخلق لنا علماء من طراز الشيخ محمد عبده و الشيخ مصطفى عبد الرزاق و الشيخ المراغي و إضرابهم من جهابذة العلماء الذين يفخر العالم الإسلامي بهم. و الحق أن النواة لأمثال هؤلاء العلماء موجودة فإن الطلبة الأزهريين ما زالوا يتسمون بالروح العلمية، و قد علمت من أحد القائمين على إدارة المعهد البريطاني في القاهرة أنه وجد في الطلبة الأزهريين الذين يتلقون اللغة الانجليزية في المعهد المذكور استعدادا و إدراكا و تعمقا و غيرة و إقبالا على العلم بما هو جدير بطلبة هذه الجامعة العريقة، و نعتقد أن خير ما يمكن أن يفعله الأزهر هو أن يعمل جاهدا للعودة لذلك الجو العلمي البحث الذي عرف به و أن يقضي على نظام الامتحانات أو يعد له، بحيث ينصرف الطلاب للعلم وحده دون النظر للإجازات العلمية كهدف يتعين عليهم تحقيقه للحصول على الوظائف.