الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٤٣ - حول الأزهر و رسالته
لتدريس الرياضيات و اللغات و قد اختفت هذه المعاهد العظيمة و اندثرت و عفا عليها الدهر فيما عدا الأزهر الذي ظل راسخا كالطود بالرغم مما مر به من أحداث بل و اضطهاد في بعض العصور. و لعمري أن المرء ليتساءل ماذا كان يصيب اللغة العربية و آدابها و ما يتصل بهما من علوم و معرفة لو أن الأزهر أصابه ما أصاب غيره من معاهد و لم يصمد للحوادث طيلة هذه الأجيال؟
لقد كان هذا الأزهر و لا يزال- و أرجو أن يظل على ذلك أبد الدهر- دعاية العلوم و المعارف في العالم الإسلامي. و قد أراد اللّه بالأمم الإسلامية خيرا حين كلأ هذا الجامع بعنايته و رعايته و صانه من غوائل الدهر و من الانهيار.
و لم يكن الأزهر بناء أو جدرانا لا حياة فيها. بل كان على الدوام فكرة نابضة و روحا متسامية و حياة فكرية و مبادىء حية. بدأ جامعا فانقلب جامعة لها خصائصها و تقاليدها و سمتها و طابعها. و قد ظلت هذه التقاليد و الخصائص و الطابع و السمة تلازمه على مر العصور. و كان من خير هذه التقاليد أن الطالب يظل يتلقى العلم حتى إذا/ آنس في نفسه القدرة على التصدر للعلم أذاع ذلك بين زملائه و شيوخه فتعقد في ديوان الأزهر حلقة من العلماء النابهين يجلس الطالب في صدرها و يناقش نقاشا حادا في المادة التي تدرسها و في جميع المواد المتصلة بها، فإذا أثبت الطالب كفاءة ممتازة منح حق التدريس. و هذا التقليد يذكرنا بما هو متبع في الجامعات العريقة و في مناقشة رسالات الدكتوراه فيها في عصرنا الحديث. و إذا كان الأزهر قد صعد نيفا و ألف عام للأحداث و ظل راسخا في أداء رسالته في دعم أركان الدين الإسلامي و نشر العلوم الإسلامية، و استطاع أن يحتفظ بمكانته المرموقة كدعامة قوية للإسلام و منارة لنشر العلم و العرفان، فإن منهجه يجب أن يحتذى في كافة الأمصار الإسلامية فليس في وسع سكان الباكستان أو غيرها من البلاد الإسلامية أن يفدوا بقضهم و قضيضهم ليتزودوا من منهل الأزهر الذي لا ينضب و ينهلوا من مورده العذب، عل أن الباكستان و غيرها من البلاد الإسلامية لا تستطيع أن تترسم الروح الأزهرية الفذة دون أن تنوه