الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩ - حول الأزهر و رسالته
في الدعوة، العلماء ورثة الأنبياء. و ليس النبي من الأنبياء إلا تاريخ شدائد و محن، و مجاهدة في هداية الناس، و مراغمة للوجود الفاسد، و مكابدة التصحيح للحالة النفسية للأمة. فهذا كله هو الذي يورث عن الأنبياء لا العلم و تعليمه فقط.
و إذا قامت رسالة الأزهر على هذه الحقائق، و أصبح وجوده هو المعنى المتمم للحكومة المعاون لها في ضبط الحياة النفسية للشعب و حياطتها و أمنها و رفاهتها و استقرارها- اتجهت طبيعته إلى أداء رسالته الكبرى للقرن العشرين بعد أن يكون قد حقق الذرائع إلى هذه الرسالة من فتح باب الاجتهاد و تنقية التاريخ الفقهي و تهذيب الروح الإسلامي و السمو به عن المعاني الكلامية الجدلية السخيفة، ثم استخرج أسرار القرآن الكريم المكتنة فيه لهذه العصور العلمية الأخيرة، و بعد أن يكون قد اجتمعت فيه القوة التي تمسك الإسلام على سنته بين القديم و الجديد، لا ينكره هذا و لا بغيره ذاك، و بعد أن يكون الأزهر قد استفاض على العالم العربي بكتبه و دعاته و مبعوثيه من حاملي علمه و رسل إلهامه.
أما تلك الرسالة الكبرى فهي بث الدعوة الإسلامية في أوروبا و أمريكا و اليابان، بلغات الأوروبيين و الأمريكيين و اليابانيين في ألسنة أزهرية مرهفة مصقولة لها بيان الأدب و دقة العلم و إحاطة الفلسفة، و إلهام الشعر، و بصيرة الحكمة، و قدرة السياسة، ألسنة أزهرية لا يوجد الآن منها لسان واحد في الأزهر، و لكنها لن توجد إلا في الأزهر، و لا قيمة لرسالته في القرن العشرين إذا هو لم يوجدها فتكون المتكلمة عنه و الحاملة لرسالته، و ما هذه البعثات التي قرر الأزهر ابتعاثها إلى أوروبا إلا أول تاريخ تلك الألسنة.
أنا مستيقن أن فيلسوف الإسلام الذي سينتشر الدين على يده في أوروبا و أمريكا لن يخرج إلا من الأزهر، و ما كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (رحمه اللّه) إلا أول التطور المنتهي إلى هذه الغاية، و سيكون