الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٧١ - الأزهر حصن العربية
من يعد في لغته كاتبا أو شاعرا أو قصاصا أو مؤلفا، و هو لا يعرف من قواعدها الأساسية ما يقيم لسانه و قلمه، و إذا كان الناس يقرءون الصحيفة أو الكتاب و لا يقعون فيها على الخطأ الذي يفضح المستور و يكشف الغش فالفضل لأولئك الجنود المجهولين من الأزهريين الذين يرابطون ليل نهار في دور الصحافة و النشر و يسمونهم المصححين؛ فإنهم يمرون بأقلامهم الحمر على المعوج فيستقيم، و على المعجم فيعرب، و على الركيك فيقوى.
لا بأس أن ييسر النحو و الصرف و البلاغة على الطلاب: و لكن البأس كله في المدى الذي بلغه هذا التيسير، لا بأس أن نخفف على غير المتخصصين من عبء التقديرات و التعليلات التي فلسف بها النحاة النحو، و من حفظ وجوه الإعراب التي بقيت في اللغة أثرا لاختلاف اللهجات في الجاهلية فهو شت القواعد و جعلت كل خطأ صوابا و كل صواب خطأ، و لكن البأس كله في أن تجرد علوم العربية من خصائص القوة و الخصوبة و البراعة لتصبح أشبه بالهيكل العظمي، فيه الخفة و البساطة و الشكل، و ليس فيه العضل و العصب و الروح. إن ما يبقى من هذا المنقوص بعد النسيان، لا تحيا به لغة و لا يبقى عليه أدب، فإذا استطاع يوما أن يجيز امتحانا أو ينيل شهادة فلن يستطيع أبدا أن يخرج أمثال من خرجهم الأزهر بشيوخه و كتبه، كمحمد عبده، و سعد زغلول، و المنفلوطي، و البشري، و طه حسين، و لا أمثال من خرجتهم دار العلوم كشاويش، و المهدي، و الخضري و السكندري و الجارم و لا أمثال من خرجتهم مدرسة القضاء الشرعي. كأحمد أمين و عزام و الخولي. و لا أمثال من خرجتهم دار المعلمين العليا، كالمازني و شكري و أبو حديد. و لا أمثال من خرجتهم كتب الأزهر كالعقاد، و الرافعي، و شوقي، و حافظ في مصر. و كالبستانيين و اليازجيين و الشدياق و مطران و الخوري في لبنان. و كالمغربي و الشهابي، و جبري، و الطنطاوي، في سوريا. و كالرصافي، و الزهاوي و كاشف الغطاء، و الشبيبي، و الأثري في العراق، و كالنشاشيبي و السكاكيني في فلسطين.