الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٦ - ألوان ثقافية في حياة الأزهر العلميّة
حال مصر المالية و السياسية و تدخل الأجنبي فيهما و جزع الشعب و الحاكم معا لذلك فشجعوا هذا النقد من الصحافة، و لو لا ذلك لخابت دعوة جمال الدين في مصر كما خابت في غيرها.
٢- أحاديثه في المقهى و في المحافل و بيوت الزيارة، تواتيه المعاني، و يطاوعه اللسان، فيخلق أمتع الأحاديث، و يحدث كل من بمجلسه بلسان عربي مبين، فيدهش السامعين، و يفحم السائلين، و يبكم المعترضين، و بذلك خرج مدرسة عجيبة تحسن السمر و الحديث و الاستطراد، و تملك على السامع لبه من أمثال محمد عبده، و سعد زغلول، و الهلباوي، و لطفي السيد، و غيرهم.
و هكذا بدأ جمال الدين تعليمه في حجرة ثم في مقهى أو مجتمع، ثم في محفل يريد توسيع العقول، و تعليم الحرية في البحث و النقد، و تبصير الشعب بحقوقه و واجبات الحاكم نحوه، و يضع يده في صميم السياسة فيريد أن يسيطر على الوزارات و الحكومة بمحفله، و رأى أول أمره أن لا قيمة لمجلس النواب ما دام الشعب غافلا جاهلا، فلما نضجت الأمة و استبد الحكام، غير رأيه و ألح في طلب الحكم النيابي و حرض عليه. و كان يلتقي بالأمير توفيق في المحفل فيقدره و يدين بمبادئه، و لكنه لما تولى الحكم بعد إسماعيل دس له الدساسون، فاجتمع مجلس الوزراء و قرر نفي جمال الدين فقبض عليه في ٢٤ أغسطس سنة ١٨٧١، و نفى إلى بمباي في الهند، و كان ذلك آخر عهد له بمصر.
و سافر الأفغاني إلى لندن عام ١٨٨٣ و منها إلى فرنسا، و وافاه إليها تلميذه و صديقه الشيخ محمد عبده و كان منفيا في بيروت. و أخذا يتشاوران فيما يعملان من وجوه الإصلاح، و كان من رأى الشيخ محمد عبده بعد ما رأى من غدر الناس في ثورة عرابي أن يذهبا إلى مكان بعيد، ينشئان فيه مدرسة للزعماء يختاران لها أنجب التلاميذ من الأقطار الإسلامية،