الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٢٠ - دار العلم أو دار الحكمة
رواده، و تفوقت عليه، و أثرت في سير الدراسة به، بسبب ما وجد بها من دراسات مختلفة للغة، و المنطق، و الفلسفة، و الطب و الرياضيات في حرية و انطلاق، و لتشجيع الخليفة الحاكم لطلابها، غير أن ازدهار (دار العلم) كان قصيرا، لما انتابها من اضطرابات أخلت بالتعليم فيها، و بقي الأزهر ملاذا للعلوم الدينية، و العربية، و لم يقلل قيام (دار العلم) من شأنه كمعهد للقراءة، و الدرس.
و بقيت الصفة (التعليمية) مميزة للجامع الأزهر طوال العصر الفاطمي، فزاد عدد طلابه و أساتذته، و كثرت أروقته، و حلقات التعليم به، و نمت الدراسة فيه و ازدهرت، حتى بدأ يجتذب إليه الطلاب و العلماء من خارج مصر، و استطاع أن يكون (جامعة علمية) جليلة القدر، و أن يسدي إلى الدين و اللغة أجل الخدمات على مر السنين، حتى غدا كعبة لقصاده من سائر الأقطار الإسلامية، كما قال المقريزي في خططه. «و لم يزل في هذا الجامع- الأزهر- منذ بني عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، و بلغت عدتهم في هذه الأيام- سنة ٨١٨ ه- سبعمائة و خمسين رجلا ما بين عجم، و زيالعة- نسبة إلى زيلع- و من أهل ريف مصر، و مغاربة و لكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن، و دراسته، و تلقينه، و الاشتغال بأنواع العلوم، و الفقه، و الحديث، و التفسير، و النحو، و مجالس الوعظ، و حلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله، و الارتياح، و ترويح النفس ما لا يجده في غيره، و صار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب و الفضة
- مكتبة نقل إليها من قصور الخلافة الكثير من الكتب في سائر العلوم و الفنون، و كانت تعرف المكتبة، بدار الحكمة، فدار العلم كانت. مدرسة، و مكتبة، و كذا عرفت. «بدار العلم حينا، و بدار الحكمة حينا آخر»، لأنها جمعت بين ما كانت تقوم به خزائن الحكمة كدور للكتب، و ما كانت تقوم به دور العلم من تعليم، و ظلت تؤدي رسالتها حتى زالت الدولة الفاطمية سنة ٥٦٧ ه، على يد صلاح الدين الأيوبي فجعلها مدرسة سنية لدراسة المذهب الشافعي طبقا لسياسته في محاربة التشيع.