الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٦٣ - بين الزيتونة و الأزهر
و زاد في قوة انجذاب الزيتونيين إلى الأزهر في هذا القرن الثاني عشر أن حفلت مصر بمقدم أسانيد في البلاد الشرقية بلغت سمعتهم عنان السماء، يعتبر في مقدمتهم شهرة و علو مقام الحافظ محمد مرتضى الزبيدي فقد تسابق الناس للأخذ عنه، و تزاحموا على مجالس إملائه، حتى كان القاصدون إلى الحج- و لو من غير خاصة الطلبة يغتنمون إقامتهم بمصر عابرين لحضور مجالسه الجامعة و يكتب لهم الشهادة بالسماع، و الإجازة، و بذلك شاعت الرواية عنه، و انتشر خطه في الإجازات و الأثبات و كتب السنة المقروءة عليه. و من أخص تلاميذه من شيوخ الزيتونة الشيخ عمر بن المؤدب، و الشيخ محمد بن حمودة الصفار، و أبناء الشيخ الغرياني، بل إن عامة طلبة جامع الزيتونة في ذلك العصر يعتبرون طلبة له، لأنه كتب في إجازته لأبناء الشيخ الغرياني: كذا أجزت لطلبة العلم الملازمين في حلقة دروس والدهم و سائر أحبابهم و أصحابهم ممن فيه أهلية التحمل لهذا العلم [١] و قد كان الشيخ مرتضى أخذ عن الشيخ الغرياني، كما أخذ عن الشيخ أحمد بن عبد الله السوسي من علماء الزيتونة و عن هذا الاتصال المحكم بين الأزهر و الزيتونة، في القرن الثاني عشر، تولدت صلات أشد إحكاما، و روابط أتم انتظاما، في القرن الثالث عشر؛ فقد استهل ذلك القرن و سمعة أعلام من الأزهريين قد ضربت ما بين المشرق و المغرب؛ بكتبهم القيمة التي شاعت في عصرهم و عم الإقبال عليها: مثل الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي، الذي عظمت شهرة دروسه و أسانيده و كتبه و اعتمدت حواشيه، و لا سيما حاشيته على شرح الدردير على المختصر الخليلي، التي اعتمدها فقهاء الزيتونة، في الدروس و الفتاوى و الأحكام، و علقوا عليها، و جاذبوا مؤلفها بحوثه و نقوله: و تحقيقاته فكان شيخ الإسلام أحمد بن حسين، و الشيخ المفتي محمد الشاهد، و غيرهما من شيوخ المذهب المالكي في أواسط القرن الثالث عشر، يعتمدون كلام الشيخ
[١] بخطه في مكتبتنا.