الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٣٦ - بين الأزهر و جامعة القرويين
القيرواني». و قد توفى عقب فترة وجيزة من وصوله إلى فاس. و خلف ثروة طائلة لابنته «فاطمة أم البنين» و شقيقتها «مريم».
و عقدت الشقيقتان العزم على إنفاق جزء كبير مما ورثتاه عن أبيهما في بناء مسجد يخلد اسم أسرتهما و اسم البلاد التي نزحتا منها. و كان من أهم الدوافع لهما على ذلك علمهما بحاجة الناس الملحة في كل «عدوة» من فاس إلى مساجد يؤدون فيها الصلاة، نظرا لضيق المسجدين القديمين القائمين فيها بالناس.
و لم يطل تفكير الشقيقتين، فشرعت «مريم» في بناء مسجد «الأندلس» في شرق المدينة. و بدأت «فاطمة» في بناء مسجد «القرويين» في جنوبها. و كان ذلك في يوم سبت- و هو يصادف غرة رمضان من سنة ٢٤٥ الموافق ٣٠ نوفمبر من سنة ٨٥٩ و هو المسجد الذي عرف بعد ذلك باسم «جامعة القرويين».
و لقد كانت الطريقة التي سلكها البناءون في البناء أنهم التزموا أن يأخذوا كل حاجاتهم من الرمال و الحجارة من نفس البقعة دون غيرها. كما أنهم عثروا على عين ماء غزيرة تجاور الموقع الذي اختير لإقامة المسجد.
و كان ذلك كله تحريا من المشرفين على البناء كي لا تدخل في بناء المسجد شبهة- على ما يقول «ابن أبي زرع» في كتاب «الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى». و ظلت «فاطمة» صائمة منذ أن شرع في بنائه، إلى أن تم و اكتمل و أقيمت فيه الصلاة.
و قرويين الأمس، ليست هي قرويين اليوم ... إذ لم تكن القرويين عند نشأتها الأولى، تشتمل إلا على أربع صحون و على محراب و فناء غرست فيه بعض الأشجار .. و حينما بنيت لم تكن بها حلقات للدرس كما أصبحت فيما بعد، بل كانت مجرد مسجد يحضره الناس الذين يؤدون فيه صلاة الجمعة، و كانت الفكرة في إنشائها- كما يروي «أبو الحسن علي