الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٥٤٠ - كلمة أخيرة
و هذه هي نص كلمة الرثاء التي ألقيتها على قبره يوم وفاته.
عقد الخطب اللسان، وعيّ لهول المصاب البيان، و ارتاع لهذا الرزء الفادح الجنان، و أي رزء هو!!
لقد انطفأ المصباح الهادي، و خبا النبراس المنير، و ذهب بالرجل أجله، و لقد كان يسير به أمله، إلى ضيق القبر، و فسحة الأجر و النعيم.
ذهبنا به في ربيع الحياة إلى أرض حافلة بالعبر و العبرات، آهلة بالعظات و الذكريات، فأودعناه في حمى آمن، يستبشر به المتقون، و ييأس فيه من رحمة اللّه القانطون، ثم عدنا بالدموع و الذكرى، فاجتمعنا في هذا الجمع نحيي ذكرى الفقيد، و بأي شيء نحيي ذكراه؟
لقد كان شاعرا و أديبا و شاعرا، فحرى بنا أن نستمد من ذكراه العظة البالغة، و خليق بنا أن نذكره لعلمه و أدبه إن لم نذكره لحسبه و نسبه.
لقد عاش الفقيد مجاهدا فشقى بعذاب الجهاد في حياته، جاهد أول شبابه في سبيل آماله الواسعة، و أمانيه الكبيرة، ثم جاهد بعد ذلك آلام الحياة التي لاحقته و حالفته و سارت به إلى أجله المحتوم، فما أروعه جهادا و ما أعظمه مجاهدا، و ما أسعده بأجر الجهاد.
لقد كان الفقيد يستمد علمه و أدبه من عقلية واسعة، و ذهن ثاقب، أكثر مما كان يستمده من اطلاع واسع، و دراسة مضينة، و كان ينظم الشعر بملكة صناع، و روح مبدعة، و يعرضه في أسلوب جميل و ديباجة مشرقة، ظلت تلازم أدبه. حتى وهنت صحته، و وهى أمله، فدبت إليها روح الضعف، كما دبت في نفسه روح اليأس و القنوط، و على حين غفلة سكت الشاعر البليغ، و ذهب العالم العبقري إلى عالم الأبدية، و دنيا الخلود.
فسلام عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا.
و هذه قصيدة من غر قصائده نثبتها هنا، قال: