الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٥ - ألوان ثقافية في حياة الأزهر العلميّة
و علي مظهر، و أديب إسحق و غيرهم. و في هذه المدرسة حول مجرى الأدب و نقله من حال إلى حال، كان الأدب عند الحكام لا هم له إلا مدح الملوك و الأمراء، و التغني بأفعالهم و صفاتهم، فأتى جمال الدين و سخّر الأدب في خدمة الشعب، يطالب بحقوقه، و يدافع عنه من ظلمه، يبين للناس سوء حالتهم، و يبصرهم بمن كان سبب فقرهم، و يحرضهم أن يخرجوا من بؤسهم و ضلالهم و ألا يخشوا بأس الحاكم فليست قوته إلا بهم، فكان أدبه ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى الحاكم، و ينشد الحرية و يفيض في حقوق الناس و واجبات الحاكم، و يجعل من الأديب مشرفا على الأمراء، لا سائلا يمد يده للأغنياء، كنت تتصفح آثار الأدباء أمثال: السيد على أبي النصر، و الشيخ علي الليثي و عبد اللّه باشا فكري، فلا ترى موضوعاتهم غير غزل في حبيب، أو رسالة إلى صديق، أو مدح لأمير، أو استعطاف له، أو اعتذار إليه، أو وصف سفينة، أو شكر على هدية. أما مصر و حال شعبها، و بؤس أهلها، و ظلم حكامها، و حقوق الناس، و واجبات الحكام، فلا ترى لذلك أثرا. فقلب جمال الدين هذا الوضع و فتح للأدباء منافذ القول، و كانت خطته في ذلك ما يأتي:
١- كون جماعة حبب إليهم الكتابة، و رسم لها خطتها و أوحى إليهم بالمعاني و شجعهم على إنشاء الجرائد، يكتب فيها، و يستكتب القادر منهم، فأنشأ أديب إسحق جريدة «مصر» في القاهرة، و «التجارة» بالأسكندرية، و كان جمال يكتب فيها أحيانا باسم مستعار أو باسمه الحقيقي و قد كتب مقالين: أحدهما في الحكومات الشرقية و أنواعها، و الثاني سماه «روح البيان في الأنجليز و الأفغان» كان لهما صدى بعيد، و لقيت الصحيفتان رواجا كبيرا، ثم أغلقهما رياض باشا و كذلك وجه الكتاب في «الوقائع المصرية» و غيرها، و بذلك ربى طائفة من الكتاب تحسن الكتابة» و اختيار الموضوعات، و وضع النواة الأولى للصحافة الشرقية و الكتاب الذين يعالجون شئون وطنهم و حالة شعوبهم، و الذي ساعده على النجاح في ذلك