الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٧٤ - الأزهر حصن العربية
المحتومة لجمود اللغة اندراسها بتغلب لهجاتها العامية عليها و حلولها محلها، و قد تنبه مجمع اللغة العربية لهذا الخطر فقرر فيما قرر استجابة لاقتراح عرضته، فتح باب الوضع اللغوي للمحدثين بوسائله المعروفة من الاشتقاق و التجوز و الارتجال، و إطلاق القياس ليشمل ما قيس من قبل و ما لم يقس. و تحرير السماع من قيود الزمان و المكان ليشمل ما يسمع اليوم من طوائف المجتمع كالبنائين و النجارين و غيرهم من أرباب الحرف و الصناعات، و اعتماد الألفاظ المولدة و تسويتها بالألفاظ القديمة، و على هذه المبادىء و غيرها وضع معجمه الوسيط الذي سيظهر قريبا.
أما الاجتهاد في الدين فقد فتحت أبوابه أول الأمر لمن تجهز بجهازه و اعتد له بعدته، حتى إذا زخر الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه مدى عصوره بالآراء المحكمة و الوجوه المحيطة، وجد فيه المسلمون جوابا شافيا عن كل سؤال يخطر على الذهن، و حلا جامعا لكل إشكال يعرض في المجتمع، و حكما عادلا في كل قضية ترفع إلى القضاء، فاستغنوا بغزارته و إحاطته عن الاجتهاد فيه، و انصرفوا إلى اجتهاد من نوع آخر هو الاجتهاد في اختيار الرأي المناسب، و ترجيح الحكم الموفق. جاء في كتاب الولاة و القضاة للكندي أن قاضيا شافعي المذهب كان بمصر في عصر الإمام الطحاوي و كان يتخير لأحكامه ما يرى أنه يحقق العدل من آراء الأئمة و لا يتقيد بمذهب من المذاهب، و كان مرضي الأحكام لم يستطع أحد أن يطعن عليه في دينه و لا في خلقه و لا في حكمه، سأل هذا القاضي الإمام الطحاوي عن رأيه في واقعة من الوقائع فقال الطحاوي: أ تسألني عن رأيي أو عن رأي أبي حنيفة؟ قال القاضي: و لم هذا السؤال؟ قال الطحاوي ظننتك تحسبني مقلدا فقال القاضي: لا يقلد إلا عصبي أو غبي. هذه الثروة الفقهية الضخمة لم يحجبها عن الناس إلا أسلوب التأليف القديم، و اليوم و قد تطورت المدينة و تغيرت العقلية ينبغي أن يطابق التعليم و الكتاب مقتضيات العصر. هذه هي المحنة الثالثة التي تعانيها اللغة العربية اليوم.