الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٢٩ - شعلة لا تنطفىء
وزنا لعظمة سواه، فانحنى انحناءة خفيفة عند الباب، ثم أقبل نحو السلطان منتصب القامة، و لم يكرر الانحناء أمامه، فخفق قلب إسماعيل باشا لما فعل، و لا سيما حين رآه يجاوز الحاجز و يصل إلى السلطان، ثم يقول له:
السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه. فيبتسم السلطان له و يرد عليه تحيته، و ينحني له انحناء خفيفا، فيكلمه الشيخ العدوي فيما يجب على السلطان لرعيته، و يبين له عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، و أن ثوابه عند اللّه سيكون بقدر تلك المسؤولية و حسن قيامه بها، و أن عقابه عنده سيكون بقدر تقصيره فيها. فلما رأى ذلك إسماعيل باشا إصفر لونه، و أخذ يتوقع غضب السلطان عليه لهذه المقابلة، و لكن وجد السلطان لم يبد عليه أي أثر للغضب، بل وجده مرتاحا للكلام الذي سمعه. و قد خرج الشيخ العدوي بعد أن انتهى من موعظته، و لم يخرج بظهره كما خرج غيره، بل ولى وجهه نحو الباب و خرج، فوجد العلماء الثلاثة ينتظرونه أمام الباب فأخبرهم بما فعل مع السلطان، فأخذوا يلومونه على ما فعل، و يخوفونه عاقبة هذا الأمر: فقال لهم: أما أنا فقد قابلت أمير المؤمنين، و أما أنتم فكأنكم قابلتم صنما، و كأنكم عبدتم وثنا، و لما انصرف الشيخ العدوي سأل السلطان عبد العزيز إسماعيل باشا عنه، فقال له: هذا شيخ من أفاضل العلماء، و لكنه مجذوب، و أستميح جلالتكم عفوا عن سقطته، فقال له السلطان: كلا، بل إني لم أنشرح لمقابلة أحد انشراحي لمقابلته.
ثم أمر له بخلعة سنية، و ألف جنيه.
شعلة لا تنطفىء
لما استولى صلاح الدين على مصر، و أبطل منها مذهب الشيعة الفاطمية أبطل الخطبة في الجامع الأزهر، و أقرها بالجامع الحاكمي لسعته و بقي الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه زمن الدولة الأيوبية، و بعضا من عصر المماليك البحرية- أي نحو مائة سنة- و أهمل أمره مدة تعطيل الجمعة