الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣١٢ - مؤلفاته العلمية و الأدبية
و جلاها للطالب، بعد ما أصلح من خلقها، و زان من معارفها، حتى ظهرت محببة للقلوب، رشيقة في مؤانسة البصائر، تهش للفهم، و تبش للطف الذوق، و تسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا و هي من النفس في مكان الإلهام، فما أعجز قلمي عن الشكر لك، و ما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء.
٣- و كتب إلى أحد أصحابه و هو في السجن كتابا يفيض بالألم، استهله بقول الشاعر:
تقلدتني الليالي و هي مدبرة* * * كأنني صارم في كف منهزم
ثم قال بعد قليل:
رأيت نفس اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما، لا أرى إنسانا، و لا أسمع ناطقا، و لا أتوهم مجيبا، أسمع ذئابا تعوي، و سباعا تزأر، و كلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، هي ذات الكاتب، ذهب ذوو السلطان في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، و مقذوفات من التهم، و سواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة، و يغشّوها بأغشية من معادن القوة، ليبرزوها في معرض السطوة، و يغشوا بها أعين الناظرين.
و قال في آخره:
آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد خطبه للولاء، و ما أغيره على حقوق الأولياء، و ما أثبته على الوفاء، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم، هو الذي سر قلوبهم بالترقية، و ملأها فرحا بالتقدم.