الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧ - حول الأزهر و رسالته
لإقرار معنى الإسلام الصحيح في المسلمين أنفسهم، فإن أكثرهم اليوم قد أصبحوا مسلمين بالنسب لا غير ... و ما منهم إلا من هو في حاجة إلى تجديد الإسلام. و الحكومات الإسلامية عاجزة في هذا، بل هي من أسباب هذا الشر لأن لها وجودا سياسيا و وجودا مدنيا، أما الأزهر فهو وحده الذي يصلح لإتمام نقص الحكومة في هذا الباب، و هو وحده الذي يسعه ما تعجز عنه، و أسباب نجاحه مهيأة ثابتة إذ كان له بقوة التاريخ حكم الزعامة الإسلامية، و كانت فيه عند المسلمين بقية الوحي على الأرض، ثم كان هو صورة المزاج النفسي الإسلامي المحض، بيد أنه فرط في واجب هذه الزعامة و فقد القوة التي كان يحكم بها و هي قوة المثل لأعلى التي كانت تجعل الرجل من علمائه كما قلنا مرة، إنسانا تتخيره المعاني الإنسانية تظهر فيه بأسلوب عملي فيكون في قومه ضربا من التربية و التعليم بقاعدة منتزعة من مثالها مشروحة بهذا المثال نفسه، و العقيدة في سواد الناس بغير هذا المثل الأعلى هي أول مغلوب في صراع قوة الحياة .. لقد اعتاد المسلمون من قديم أن يجعلوا أبصارهم إلى علماء الأزهر، و لذلك فهم يتبعونهم و يتأنسون بهم و يمنحونهم الطاعة و ينزلون على حكمهم و يلتمسون في سيرتهم التفسير لمشكلات النفس و يعرفون بهم معنى صغر الدنيا و معنى كبر الأعمال العظيمة، و كان غنى العالم الديني شيئا غير المال بل شيئا أعظم من المال إذ كان يجد حقيقة الغنى في إجلال الناس لفقره كأنه ملك لا فقير، و كان زهده قوة حاكمة فيها الصلابة و الشدة و الهيبة و السمو و فيها كل سلطان الخير و الشر لأن فيها كل النزعات الاستقلالية، و يكاد الزهد الصحيح يكون هو وحده القوة التي تجعل علماء الدين حقائق مؤثرة عاملة في حياة الناس أغنيائهم و فقرائهم، لا حقائق متروكة لنفسها يوحش الناس منها أنها متروكة لنفسها، و علماء الأزهر في الحقيقة هم قوانين نفسية نافذة على الشعب، و عملهم أرد على الناس من قوانين الحكومة، بل هم التصحيح لهذه القوانين إذا جرت الأمور على عللها و أسبابها، فيجب عليهم أن يحققوا