الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٧٢ - الأزهر حصن العربية
إني أدعو إلى التوفيق بين الفصحى و العامية، و مذهبي في مجمع اللغة العربية إمداد الفصحى بما تزخر به العامية من ألفاظ الحضارة و تراكيبها التي دخلت في الحياة العامة حتى تضيق مسافة الخلف بين اللهجتين و ينتهي بهما الأمر بفضل الصحافة و الإذاعة و التعليم إلى لغة واحدة عامة فيها من الفصحى السلامة و الجزالة و البلاغة و السمو، و فيها من العامية الدقة و الطبيعية و الحيوية و التجدد و الوضوح. أما أن تكون لغتنا كلغة الهمج لا تقوم على قواعد، و لا تجري على أنظمة، و لا تشعرنا بجمال، و لا تحفزنا لكمال، و لا تربطنا بماض، و لا تصلنا بمستقبل، و لا تجمعنا في وحدة، فذلك مذهب لا يقول به رجل و هو جاد، و دعوة لا يستجيب لها إنسان و هو عاقل.
فإذا تركنا الأمور تجري كما تجري انتهت بنا إلى تغلب العامية لأن أساليبها غالبة على السمع، و قواعدها جارية على الطبع، فلا يحتاج تحصيلها إلى كتاب و معلم و مدرسة، و إنما يحتاج إلى بواب و خادم و شارع و تغلب الأساليب العامية معناه كما قلت فصل الأدب عن الدين و قطع الحاضر عن الماضي و توهين الصلات بين العرب. و في يقيني أن أمر العربية لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله: فقه أسرارها كل الفقه، و فهم قواعدها أدق الفهم، و حفظ أدبها أشد الحفظ، و ذلك يستلزم الجهد و الجد في إعداد المعلم، و العلم و الخبرة في وضع المنهج، و المنطق و الذوق في تأليف الكتاب، و الكتاب الأزهري الذي تخرجنا عليه و ما زلنا نرجع إليه كنز من المعارف لا يعوزه إلا سهولة مأخوذة و حسن تنسيقه و جمال عرضه، فالفرق بينه و بين الكتاب الحديث في العرض كالفرق بين حانوت من حوانيت العطارة في الغورية، و بيت من بيوت التجارة في قصر النيل، قد يكون في الحانوت القديم ما ليس في المتجر الحديث من السلع التواجر و الطرف النوادر؛ و لكن اختفاءها في ركن غير ظاهر، و عرضها في معرض غير لائق، يضعف الإقبال عليها و يقلل الاستفادة منها، فإذا عرضت الكنوز