الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١١٤ - ألوان ثقافية في حياة الأزهر العلميّة
التعليم فقط، بل كان يقصد منها الدعوى إلى الإصلاح، و فتح باب الاجتهاد في الدين و العلم و بث الأخلاق العالية في النفوس، و كان إلى هذا يرشد الطلاب إلى مطالعة كتب الأدب، ليتعلموا منها حسن الكتابة و الإنشاء، و يستطيعوا أن ينهضوا بالأمة بالكتابة في الجرائد و غيرها، فأيقظ النفوس من غفلتها، و فتح عيون الطلاب في الأزهر لضعف التعليم فيه، حتى ألفوا من بينهم جماعة تسعى في إصلاحه، و كان أول ما عملوه كتابة منشور علقوه على أعمدة الأزهر في سواد الليل، و بينوا فيه مواضع الخلل في التعليم بالأزهر، و شرحوا الوسائل التي تؤدي إلى إصلاحه، فبدأ جمال الدين بدروسه في الإصلاح، الجهاد في إصلاح الأزهر، و أوجد من أبنائه و غيرهم من يعمل فيه بكل ما يمكنه من الوسائل التي توصل إليه.
و كان نشاطه التعليمي ذا شعبتين: دروس علمية منظمة يلقيها في بيته (في خان الخليلي)، و كان يتلقاها أمثال الشيخ محمد عبده، و الشيخ عبد الكريم سلمان، و الشيخ سعد زغلول، و الشيخ إبراهيم الهلباوي من مجاوري الأزهر و علمائه، و كان يدرس لهم كتب منطق و فلسفة و تصوف و هيئة، و يظهر أن هذه الكتب لم تكن لها قيمة في ذاتها، و إنما قيمتها كانت فيما يضيفه عليها الشيخ في شرح آرائه و أفكاره، و التبسط في مناحي الفكر، و التطبيق على الحياة الواقعية، بربط الحياة العملية بالعلمية، هذا إلى أنه كان يأخذ بيد تلاميذه، فيجعلهم يسيطرون على الكتاب، و يسمون عن قيود الألفاظ و الجمل إلى معرفة الحقائق ذاتها، يحدد لهم موضوع الدرس من الكتاب، و يفيض عليهم في شرحه من عنده حتى يحيطوا به، و يتفهموه من جميع أطرافه.
و كانت مدرسته الثانية غير النظامية أكبر أترا و أعم نفعا، و كان تلاميذه فيها زواره في بيته أو في بيوتهم حين يزورهم، و من يلتقي بهم في (قهوة البوستة) و في المجتمعات من أمثال: محمود سامي البارودي، و عبد السلام المويلحي و أخيه إبراهيم المويلحي و سعد زغلول، و محمد عبده