الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٤ - الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي
إذا بقي لنا أمر بعد ذلك، فحرام عليكم طعامكم و شرابكم، و حرام عليكم أن تقيموا على الضيم في وطنكم، و أن تجلسوا في هذا المكان باسم الإسلام و الفرنسيون يصنعون بإسلامكم ما شاءوا أن يصنعوا.
قال قائل منهم: و ما ذا في طاقتنا أن نصنع إزاء حرب الفرنسيين. و قد حرمنا نعمة البصر فما ندري إلى أين نسير، و اللّه يقول: «ليس على الأعمى حرج».
و لم يكد الطالب بتم قولته حتى انفجر الشيخ كالبركان قائلا: ألا لعنة اللّه عليكم إن كان هذا هو مدى إدراككم و يقينكم، نعم لا حرج عليكم فيما هو من شئونكم الخاصة، و لكنكم اليوم إزاء كارثة حلت بدار الإسلام، و إنها لآخذة برقابكم جميعا، و اللّه يقول: «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»، فانفروا إلى الناس في دورهم، و حيث هم في أعمالهم، و تفرقوا على أبواب الطرق و الحارات، و قولوا لكل من لقيتم إنكم اليوم بين شقي الرحى، و إن الفرنسيين قد استباحوا حرماتكم، و أهانوا شرفكم، و نهبوا أموالكم، و بدلوا دينكم، فلا عزة لكم بين الأمم، و لا كرامة لكم عند ربكم إذا ما رضيتم بهذا الأمر فيكم.
و وقف الشيخ في انفعال و قوة، و أخذ يصرخ قائلا و الدموع تنحدر على خديه: و اللّه ما قام عمود هذا الدين إلا بالجهاد، و لا أزهرت شجرة الإسلام إلا بدماء الشهداء، و لقد خاض رسول اللّه الحرب حتى شج وجهه و كسرت رباعيته، و في سبيل اللّه استشهد سادتنا من الصحابة و التابعين، فلعنة اللّه علينا إن كنا من القاعدين بعد اليوم .. ثم اندفع الشيخ و اندفع معه طلابه إلى الخارج و هم يصيحون: إلى الجهاد و الاستشهاد، إلى الموت في سبيل اللّه .. و كانت الثورة.
كانت الشمس ترتفع للضحى، و كانت القاهرة تبدو هامدة واجمة