الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٤٧ - بين الزيتونة و الأزهر
المغيرين الإفرنج، و استنقذ بقية البلاد من أمراء الطوائف، و وحد البلاد المغربية كلها في ملكه الذي امتد من الأندلس إلى حدود برقة [١].
و في صدر القرن السابع كانت البلاد الإفريقية قد ازدهرت برد غارات الإفرانج النرمانديين، و صارت تونس عاصمة البلاد باستقرار الدولة الحفصية و صارت حلق الوعظ و التعليم القائمة بجامع الزيتونة مزدهرة و كذلك كان شأن مدينة القاهرة قبل ذلك بخمسين سنة تقريبا. لما ردت عنها الغارات الصليبية، و قامت فيها الدولة الأيوبية، و صارت الحلق في الجامع الأزهر لا تختلف عن الحلق التي يقبلون عليها في جامع الفسطاط: كلها حلق سنية، لا شائبة فيها للأهواء، ترعاها الدولة، و يغشاها الناس غير مكرهين، و لا وجلين. إلا أن هذا المعنى لم يظهر ظهوره التام في الجامع الأزهر، و إن ظهر حواليه، فلم يظهر في الأزهر بذاته إلا في منتصف القرن السابع لما جددت عمارته، و أقيمت فيه الجمعة على مذهب أهل السنة و الجماعة، و رتبت فيه دروس الحديث و الفقه [٢].
فجامع الزيتونة لما قام الأزهر في منتصف القرن السابع برسالته العلمية السنية، قد كان قائما على تلك الرسالة نفسها، شديد الساعد في الاضطلاع بها فالتحمت بذلك الصلات بين الجامعين، و زاد في تأكيد اللحمة تشابه المناهج العلمية، و تقارب الأساليب التدريسية، و الاتحاد في أكثر مواد الدراسة، و التفاضل المطرد بين شيوخ المعهدين: أخذا و عطاء.
فالمذهب المالكي بعد أن انقطع علماؤه من الديار المصرية، في أواخر القرن الرابع تحت حكم الفاطميين، بدأ يعاود منزلته في أواخر القرن السادس [٣] بمن رحل إلى مصر من الأفارقة و الأندلسيين و الصقليين الذين رفعوا لواء المذهب المالكي فيها من جديد، مثل أبي محمد التونسي
[١] ص ١٦٣ نفس الجزء.
[٢] المقريزي ص ٥٢ ج ٤ ط المليجي.
[٣] شجرة النور ص ٩٣.