الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٧٣ - الأزهر حصن العربية
الأزهرية عرضا جميلا مشوقا في الدروس و المحاضرات و المذكرات و الكتب كان ذلك عسيا أن يدنى قطوفها من الطلاب على غير مؤونة و لا كد ذهن.
إن رسالة الأزهر قائمة كما قلت على ركنين من دين و لغة، و لكن الأمر في تأديته إياها جد مختلف. الدين كامل لأنه من عمل اللّه، و اللغة ناقصة لأنها من عمل الإنسان، و الكامل الإلهى لا يتأثر بالمكان و لا بتغير بالزمان و لا يضيق بالحضارة و لا يبرم بالعلم، فهو جديد أبدا، صالح أبدا، ثابت أبدا. أما الناقص فهو عرضة للفساد و الجمود و التخلف، و موضع للزيادة و التجديد و التطور، لذلك كان الاجتهاد في اللغة و علومها أمرا تحتمه الضرورة و تقتضيه الطبيعة؛ لأن اللغة لا يمكن أن تثبت ثبوت الدين، و لا أن تستقل استقلال الحي، فهي ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، و الأغراض لا تنتهي، و المعاني لا تنفذ، و الناس لا يستطيعون أن يظلوا خرسا، و هم يرون الأغراض تتجدد و المعاني تتولد، و الحضارة ترميهم كل يوم بمخترع، و العلوم تطالبهم كل حين بمصطلح، و لا علة لهذا الخرس إلا أن البدو المحصورين في حدود الزمان و المكان لم يتنبأوا بحدوث هذه الأشياء، و لم يضعوا لها ما يناسبها من الأسماء.
نشأ من إنكار حق الوضع اللغوي على المولدين و حصره فيمن يعتد بعربيتهم من عرب الأمصار حتى آخر المائة الثانية، أو أعراب البوادي حتى آخر المائة الرابعة، أن طغت اللغة العامية طغيانا جارفا حصر اللغة الفصحى في طبقات العلماء و الأدباء و الشعراء و الكتاب يكتبون بها للملوك، و يؤلفون فيها للخاصة، و سيطرت على حياة الأمة في شئونها العامة و أغراضها المختلفة؛ لأن العامية حرة تنبو على القيد، و طبيعية تنفر من الصنعة، فهي تقبل من كل إنسان، و تستمد من كل لغة، و تصوغ على كل قياس. و الناس في سبيل التفاهم يؤثرون السهل، و يستعملون الشائع، و يتناولون القريب.
و تخلف اللغة عن مسايرة الزمن و ملاءمة الحياة معناه الجمود. و النهاية