الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٨ - حول الأزهر و رسالته
معهد ديني كانت رسالته دائما رسالة الإسلام، و كانت لشيوخه الزعامة الفكرية في القديم، حتى أن بونابرت لما دخل مصر و وجد للأزهر الزعامة الدينية و الاجتماعية و السياسية تقرب إلى شيوخه، و جعل أعضاء «الديوان» الذي أنشأه منه، و هذا اعتراف بسلطان الأزهر على الشعب.
و وسط الزوابع السياسية التي تلت عصر نابليون و سبقت ولاية محمد علي قام الأزهريون يثبتون حق الشعب و يؤيدون ما يذهبون إليه بنصوص من الدين الحنيف، و لقد كان للسيد عمر مكرم نقيب الأشراف حينئذ المكانة الأولى بين ممثلي الشعب، و كان الشعب غاضبا على خورشيد باشا راغبا في تولية محمد علي، و في تاريخ الجبرتي نقاش بين السيد عمر مكرم و بين عمر بك أحد أنصار خورشيد، فقد كان عمر يذكره بالآية الكريمة أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فلم يكن من السيد عمر إلا أن قال: «أولو الأمر العلماء و حملة الشريعة و السلطان العادل»، ألسنا نحس في ذلك الرد وحده تلك القوة الوليدة التي شعر بها زعماء الأزهر و ألسنا نستطيع أن ندرك دهاء محمد علي حينما اجتذب الشيوخ إلى جانبه فتغلب على القوى التي كانت تنافسه؟ و سلطان هؤلاء الأزهريين هو الذي ظاهره على المماليك و هو الذي أرغم الخليفة على أن يعترف بولايته، كانت هذه إذن سابقة للأزهر أعلنت من مكانه فظل زعيما للجماعة المصرية بعد ذلك. و ما برح الأزهر يساير الحركة الفكرية في مصر حتى تمخض في أواخر القرن التاسع عشر عن حركة شاملة من حركات الإصلاح توجهت ضد العناصر الدخيلة التي مشت بالسوء في أمم الشرق، و قد رفع هذه الحركة جمال الدين الأفغاني و الشيخ محمد عبده، و لعل خير ما يذكر من أيادي الاستاذ الإمام أنه خرج الى فلاسفة الغرب يرد الحجة بالحجة و يقرع البرهان بالبرهان، و لم يكن الجدل الذي نشب بينه و بين هانوتو إلا ناحية من الصراع الفكري بين الشرق و الغرب، و كان المؤرخ الفرنسي يفتعل الذرائع و المسوغات التي تحلل ما اقترفته السياسة المادية التي استحلت لنفسها كل