الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٩٢ - الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي
يعوقه عن أي شأن من شئون الحياة، فكان معروفا بين إخوانه بقوة الشكيمة و الصرامة في الحق، يحرص كل الحرص على مصالح طائفته، و يبذل كل الجهد لاستخلاص حقوقهم، و لو أدى ذلك إلى الاعتماد على القوة، و الالتحام في المعركة، و كان إلى جانب هذا متفتح النفس، يهش للدعابة، و يطيب له التبسط في الحديث مع طلابه و مريديه، و يعنيه أن يتحقق بنفسه شئونهم العامة، و مسائلهم الخاصة، و من ثم كان طلابه يخشونه أشد الخشية، و يحبونه أعظم الحب، و كان إذا ما أقبل على الدرس في كل يوم بعد الصلاة الأولى أقبلوا عليه، فيفضون إليه بما في نفوسهم، و يسمعون منه بما يشير به عليهم، ثم يفرغون معه لدرس التفسير في كتاب اللّه الكريم، و ما يزالون حتى ترتفع الشمس، ثم ينصرفون للاستعداد لدرس آخر.
و لكن الشيخ أقبل على طلابه في ذلك اليوم، و هو على تلك الحال التي لم يألفوها منه، و لم يعرفوها عنه، و أشفق الطلاب أن يكون قد نزل بشيخهم مكروه في نفسه أو في أسرته، فقال قائل منهم: لا بأس على مولانا الشيخ فيما نرى، فقد فات موعد الدرس و هو منصرف عنا!
قال الشيخ في صوت محتبس أجش: كيف و هذا هو اليأس يأخذ بنواصينا و أقدامنا، و هذا هو الكرب يشد على خناقنا شدا عنيفا، فليس لنا منه متنفس. و فيم أنتم و هذا الدرس، و ما هو إلا كلام تلو كونه بألسنتكم، و تخورون به خوار البقر، و لكنكم و اللّه لا تحسونه بقلوبكم، و لا تعرفون فيه حق دينكم، و هل حسبتم أن الإسلام هو تلك الكلمات التي ترددونها و تناقشونها ثم تنصرفون بها إلى الناس، و كأنها تجارة كلامية، حسبكم من الربح فيها تلك الفضلات التي تقيم أودكم، و تمسك رمقكم، إذن فيا ضيعة الإسلام فيكم، و يا خسارته بكم، و لست أدرى أهي نهاية الزمان، أم أن اللّه مقيض لهذا الأمر من ينهض به و يبعثه بعثا جديدا في عقول هذه الأمة و قلوبها؟!