الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦٩ - الأزهر حصن العربية
يزال من هذه الطبقة الكريمة فئة قليلة في أقطار العروبة تستبطن لغتها و تتعمق أدبها و تعرف لماذا تكتب الجملة على وضع دون آخر، فإذا خلا المجتمع بعد أجل طويل أو قصير فهل يخلف من بعدهم خلف يحملون أمانة اللغة و يبلغون رسالة الأدب؟
الجواب عن هذا السؤال عند الأزهر وحده؛ فهو بحكم طبيعته و علة وجوده معتصم اللغة و منجاها في الماضي و المستقبل، أما المعاهد الأخرى فكل شيء فيها يبعث على التشاؤم: منهج تطبيقي يكاد يخلو من القواعد، و تعليم سطحي مقتضب لا هدف له إلا اجتياز الامتحان العام بأية وسيلة، فالمطولات تختصر، و المختصرات تختزل، فلا يبقى بعد ذلك في ذاكرة الطالب إلا رموز على معان عائمة غائمة لا هي مستقرة و لا هي واضحة.
ذلكم إلى زهادة في الجدي النافع من ثقافة اللسان و القلم تقعد النشء عن تعمق الأصول و تقصى الفروع، و تقنعهم بالقدر الذي ينقلهم من سنة إلى سنة أو من شهادة إلى شهادة، فإذا ما تخرج الناشىء بهذا الحظ المنكود من اللغة و كان في نفسه ميل إلى الأدب، و في طبعه استعداد للكتابة، انصرف عن كنوز الأدب العربي، لأن مفاتيحها ليست عنده، و أقبل على روائع الأدب الغربي يحاكيها و يستوحيها حتى إذا امتلأ ذهنه و فاض شعوره و أراد أن ينتج شيئا يفيد الناس وجد في نفسه الملكة التي تخلق و في حسه الصورة التي تمتع، و لكنه لا يجد في لسانه اللغة التي تعبر، و لا في قلبه الأسلوب الذي يؤثر، فيضيق و يسخط و يثور، و يزعم أن قواعد اللغة غصة لا تساغ، و أن إعراب الكلمة عقبة لا تذلل، ثم يتطرف فيدعو إلى إطلاق الحرية للكاتب فيكتب كما يشاء.
تلك حال المتخرج الأديب بطبعه أما المتخرج العادي فإنه يعود أميا كما بدأ، لا يقرأ إذا قرأ إلا السهل، و لا يطلب هذا السهل إلا في قصة عامية تخدر الشعور، أو في مجلة فكاهية تنبه الشهوة، حتى نشأ من إفراط القراء في هذا الطلب، إفراط الكتاب الخفاف في عرض الأدب اللذيذ