الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦٨ - الأزهر حصن العربية
و مبشريها و مستشرقيها؛ لأن اللغات العامية تختلف في البلاد العربية اختلافا شديدا يكاد يجعل من كل لهجة منها لغة مستقلة. و إذا انهزمت أمامها اللغة المشتركة و هي الفصحى استحال التفاهم و ضعفت العقيدة و انقطعت الصلة و تفرقت الوحدة و تبددت القوة و استطاع المستعمر أن يلتقمها لقمة لقمة فلا يغص و لا يشجى. و لكن هذه الدعوة فشلت بضعف الاستعمار في الشرق، و قوة الوعي في العرب. و أما الجهل و هو الأصل الآخر لمحنة اللغة العربية فقد خلف الاستعمار في هذه الدعوة المجرمة، و المراد بالجهل جهل أبناء العربية بها، و عزوفهم عن علومها و أدبها، و هو جناية المدرسة المدنية الحديثة، فقد فشلت بعد طول الزمن و كثرة التجارب في تخريج القارىء الذي يقرأ بفهم، و الكاتب الذي يكتب عن علم، و المفكر الذي يفكر عن أصالة، و ليس أدل على هذا الفشل من أن الطالب يتعلم النحو عشر سنين دأبا ثم لا يستطيع بعد ذلك أن يعبر عن فكره تعبيرا صحيحا لا بلسانه و لا بقلمه، فإذا دفعه استعداده الأدبي إلى الكتابة آثر العامية على الفصحى و دعا إلى التحلل من القواعد و القيود ليجعل الفوضى نظاما و الخطأ مذهبا و العجز شركة. كانت علوم العربية تدرس في الأزهر و دار العلوم و مدرسة القضاء الشرعي و فيما يجري على منهجه من معاهد لبنان و سورية و العراق و المغرب دراسة عميقة تمكن الطالب المجتهد المستعد من فهم ما يقرأ و فقه ما يعلم و تعليل ما ينقد و تحليل ما يذوق. فإذا اتصل النظر بالعمل و اقترن الحكم بالتطبيق و صادف ذلك استعدادا في المتعلم ظهر الكاتب الذي يكتب فيجيد، و الشاعر الذي ينظم فيبدع، و الناقد الذي يحكم فيصيب، أما إذا فتر الاجتهاد و ضعف الاستعداد ظهر الأديب العالم الذي يهيء الوسائل و يقرب المناهل و يوجه المواهب و يسدد الخطى، و من هاتين الفئتين تستمد الحركة الأدبية عناصرها الحيوية فتقوى لتزدهر و تنمو لتنتشر و تسمو لتخلد.
و كان من خريجي هذا المنهج القديم أولئك الأدباء الأصلاء الذين حفظوا تراث اللغة و جددوا شباب الأدب و أسسوا هذه النهضة الأدبية الحديثة، و لا